مديرها اتهمها

غادروا الفيلا في اليوم التالي بوجوه منكسرة، يحملون حقائبهم فقط دون أي شيء آخر. لم تنظر لهم كريمة پشماتة، بل شعرت بالحزن عليهم أكثر من أي شيء آخر. بقيت
هي والحاجة دولت في الفيلا الكبيرة، لكنها لم تعد كبيرة ولا مخيفة كما كانت من قبل. أضاءت كل الغرف المقفولة، وفتحت الشبابيك ليدخل الشمس والهواء لكل ركن.
اتصلت كريمة ببنتها مريم
تعالي يا روحي.. عندي لكي مفاجأة.. بيتنا بقي كبير ومشرق، وجدة عظيمة بتستناك بكل حب.
بعد أسابيع، حولت كريمة الطابق الأرضي لملجأ صغير للنساء المسنات اللاتي تعيشن بمفردهن، حيث يجدن الرفاه والونس والاهتمام. والحاجة دولت كانت تجلس في الصالة الرئيسية تستقبل الضيوف بابتسامتها الدافئة، وتحكي لهم قصص حياتها وحكمة الأيام.
وذات مساء، جاء طارق على الباب. كان بملابس بسيطة، مظهره متعب لكن عينيه تحملان
صدقاً لم نره فيه من قبل. قال بصوت خاڤت
ممكن أزور أمي؟ مش عايز شيء غير أني أشوفها وأعتذر منها.
سمحت له بالدخول. جلس بجانب أمه، مسك إيدها وبكى كطفل صغير
سامحيني يا أمي.. كنت أعمى.. كنت فاكر الفلوس هي كل حاجة.. خسړت نفسي وخسرتكِ.. أرجوكِ قوليلي إنكِ تسامحيني.
الحاجة دولت مسحت دموعه بإيدها المرتعشة
أنا سامحتك من زمان يا بني.. الباب كان دائماً مفتوحاً.. أنتِ اللي كنت تقف بعيد باختيارك. تعالَ.. خد مكانك على السفرة.. العيلة بتتجمع الليلة، ومفيش مكان أغلى من مكانك بينا.
مرت السنوات، وأصبحت الفيلا عنواناً للخير والتراحم. مريم تخرجت من كلية التمريض وتعمل
في العيادة الملحقة
بالملجأ، وكرمة تدير العمل بحكمة وطيبة، والحاجة دولت تعيش أيامها الأخيرة محاطة بمن يحبها حقاً. طارق عمل مديراً لمشروعات خيرية أسستها كريمة، وتعلم أن القيمة الحقيقية للإنسان ليست فيما يملكه، بل فيما يقدمه للآخرين.
وفي يوم من الأيام، وبينما كانت كريمة تجلس بجانب الحاجة دولت في الحديقة المزهرة، قالت لها العجوزة بصوت هادئ ومرتاح
تعرفين يا بنتي.. أنا ما وهبتكِ المال لأنه
كان معي.. وهبتكِ إياه لأنه كان معكِ أنتِ. لأنك عرفتي أن أغنى ما في الدنيا ليس الذهب ولا العقارات.. بل قلب صادق يسمع حين ينسى الناس السمع، ويد حانية تمتد حين تغلق الأبواب في وجوه الناس.
ټوفيت الحاجة دولت بسلام في تلك الليلة، نائمة بابتسامة على وجهها، وبين يديها صورة قديمة لزوجها والصورة الجديدة التي التقطتها العائلة الكبيرة عائلتها الحقيقية في حديقة الفيلا. لم يبكِ
أحد بحزن يائس، لأنهم جميعاً شعروا أنها لم تذهب بعيداً، بل عاشت في كل خير يُفعل في هذا المكان.
عرف الجميع بعد ذلك أن العدالة قد تأتي متأخرة، لكنها تأتي دائماً. وأن أكرم الناس ليس من يملك المال، بل من يملك القلب الذي يعطي دون حساب، واليد التي تمتد دون انتظار مقابل. وأن البيت الحقيقي ليس المكان الذي تسكن فيه.. بل المكان الذي يسكنك فيه الحب والاحترام والكرامة.
تمت بحمدالله




