روايه مزرعه الدموع بقلم منى سلامه ٤

لكنها لم تسمعه .. بل لم تراه .. صنعت العبرات غشاوة على عينيها فسارت تتبين طريقها بصعوبه .. وصلت الى شجرتها .. ألقت بنفسها على جذعها الذى فارقته منذ ساعات .. وضعت كفيها على وجهها وجهشت فى بكاء عميق .. لماذا لا يتركها الناس وحالها .. لما ينغصون عليها فرحها .. لماذا يستكثر بعض الناس أن يرى غيره سعيداً .. لماذا يخوض الناس فى أعراض بعضهم البعض ويمزقونهم بلا هواده .. لماذا لا يعلم الناس أن الكلمات التى تخرج من أفواههم هم محاسبون عليها تماما كأعمالهم .. لماذا لا يدرك البعض أن الكلمة قد تكون خنجراً ينغرس فى قلب من أمامه بلا هواده .. أو تكون بلسماً تطيب جرحه فى لحظات .. الى متى ستشعر بهذا الظلم .. الى متى ستظل الإبتسامه عزيزة عليها .. وكأنها زائر لا يحل إلا بعد غياب طويل .. لحظات ثم يعود ليرحل مرة أخرى بقسوة .. أخذت تردد بصوت مرتجف :
– اللهم انى مغلوب فإنتصر .. اللهم انى مغلوب فإنتصر

فجرت “مها” قنبلتها ثم أخذت طعامها وجلست على احدى الطاولات تتجاذب أطراف الحديث مع “شيماء” .. وفجأة رأت دكتور “حسن” يقف بجانبها .. فالتفتت تنظر اليه فى صمت .. فقال بحزم :
– المزرعة هنا للشغل وبس يا دكتورة “مها” .. مش مكان للقيل والقال .. لو ضايقتى أى زميلة ليكي مرة تانية أنا هبلغ البشمهندس “عمر” بنفسي
شعرت “مها” بالخوف فقالت له :
– أنا مكنتش قصدى أضايقها يا دكتور “حسن” أنا بس ….
قاطعها الرجل بحزم قائلاً :
– أنا مبحبش أقطع عيش حد .. لو البشمهندس “عمر” عرف اللى انتى عملتيه أظن هيتصرف معاكى تصرف يزعلك .. مش عايز أشوف منك غلطة مرة تانية .. لا فى حق دكتورة “ياسمين” ولا فى حق أى حد تانى هنا فى المزرعة .. مفهوم
أومأت برأسها فى صمت .. غادر القاعة فالتفتت الى “ِشيماء” قائله :
– هو ماله ده .. يكنش اشتغل محامى للست “ياسمين” وأنا معرفش
أخذت تتناول طعامها فى حنق

كان “عمر” يجلس فى مكتبه .. كان تركيزه كله موجه الى تلك الفتاة التى تبعد عنه بضع خطوات .. شعر بأنه يرغب فى رؤيتها مرة أخرى .. نهض من مكتبه وتوجه الى مكان عملها .. لم يجدها .. فسأل “هانى” الذى كان يجلس على أحد الكراسي يطالع كتاب بيده :
– مشفتش الدكتورة “ياسمين” يا “هانى” ؟
قال “هانى” بحنق :
– أديني آعد مستنيها .. شوفتها من شوية ماشيه وواخده فى وشها نادتلها معبرتنيش
قال “عمر” بقلق :
– مشيت منين ؟
أشار له “هانى” الى الإتجاه الذى رأى “ياسمين” تسير فيه .. ذهب “عمر” فى اثرها .. ظن أنها ذهبت الى شجرته .. اقترب من الشجرة فسمع صوت شهقات صغيره .. التف حول الشجرة ليجد “ياسمين” جالسه على الجذع تخفى وجهها بكفيها .. وتبكى .. هتف فى لوعه :
– “ياسمين” فى ايه ؟
رفعت رأسها لتراه أمامها .. مسحت عبراتها المتساقطه قائله :
– مفيش حاجه
تفرس فيها وسألها مرة أخرى :
– قوليلى ايه اللى حصل
ردت بحده دون أن تنظر اليه :
– قولتلك مفيش
احتار “عمر” فى تفسير سبب بكائها .. خطر بباله خاطر تألم له قلبه .. هل من المعقول أنها تبكى لفراق زوجها .. أمازالت تحبه .. أتبكيه .. أم تبكى حبها له .. أم تبكى صدمتها فيه .. أم تبكى بعدها عنه .. لم يتحمل حيرته .. سألها بصوت خافت :
– كنتى بتحبيه ؟
رفعت عينيها اليه فى دهشة .. من يقصد .. أيقصد “مصطفى” .. كيف يسألها عن أمر خاص كهذا .. ردت فى حزم قائله :
– لو سمحت اتفضل امشى
قال “عمر” بحده :
– طب ريحينى بس
نهضت قائله بغضب :
– خلاص همشى أنا
ثم تركته خلفها وانصرفت .. كانت الغيره تعصف بكيانه .. أتفكر فيه ؟ .. أتشتاق اليه؟ .. هل من الممكن أن تسامحه يوماً؟ .. هل من الممكن أن ترغب فى العودة اليه يوماً ؟ .. لماذا ترفض التحدث اليه .. لماذا لا تخبره بما فى قلبها وعقلها ليستريح قلبه .. عاد الى مكتبه والغضب على محياه .. وجد “كرم” ينتظر بالداخل .. نظر اليه “كرم” قائلاً :
– فى ايه يا “عمر” ؟
أزاح “عمر” كرسي المكتب وجلس عليه فى عصبيه قائلاً :
– شوفت “ياسمين” بتعيط من شويه سألتها مالك مرضتش تريحنى
نظر الى “كرم” قائلاً بغضب :
– مش عارف حتى أتكلم مجرد كلام عادى مع البنت اللى بحبها .. مش مديانى أى فرصة أقرب منها
قال له “كرم” :
– “عمر” هى لسه مطلقة امبارح .. وكمان تهديد طليقها ليها .. يعني أكيد مشاعرها متضاربه
نظر اليه “عمر” قائلاً بصرامة :
– وأنا عايز أكون جمبها .. أقولها متخفيش من حد انا جمبك .. عايز أتأكد ان الحيوان ده ملوش أى مكان دلوقتى فى قلبها .. وانها نسيته نهائي
صمت “عمر” قليلا ثم هب واقفاً وهو يقول :
– أنا رايح حالا أطلبها من أبوها
اعترض “كرم” طريقه قائلاً :
– يا ابنى اهدى شوية .. دى لسه مطلقة
قال “عمر” بحده :
– هتجنن يا “كرم” دى مش راضية حتى تتكلم معايا .. عايز أثبتلها انى مش بلعب وانى عايزها بجد .. أنا لحد دلوقتى ماقولتهاش انى بحبها .. هموت وأقولهالها يا “كرم” .. بس خايف أقولها تضايق منى وتفتكرنى بلعب بيها .. عايز أتقدملها دلوقتى .. عشان لما أقولهالها تعرف انى بحبها بجد وعايزها بجد
قال “كرم” :
– يا ابنى وأهلك .. انتى ناسيهم
سأله “عمر” :
– ومالهم أهلى ؟
– مش لازم يعرفوا تفاصيل الموضوع ده .. دول ميعرفوش ان فى موضوع أصلاً
فكر “عمر” قليلا ثم قال :
– معاك حق لازم أستغل الشهر ده لحد ما عدتها تخلص .. أنا هكلم ماما وبابا وأعرفهم انى عايز أخطب .. وأخليهم ييجوا هنا ويتعرفوا عليها .. أهو على الأقل بعد ما الشهر يخلص تكون هى قربت من ماما وماما قربت منها وبقى بينهم علاقة كويسة
قال “كرم” :
– تمام كده .. مش تقولى أطلبها من أبوها فى العده
قال “عمر” بإصرار :
– أنا كدة كدة هكلم أبوها .. مش هستنى لما الشهر يخلص .. عايزها تعرف من دلوقتى انى عايزها .. وكمان عشان أقدر أأقدمها لأهلى ويتعرفوا عليها
– خلاص تمام كده .. رتب انت موضوع أهلك ده
أومأ “عمر” برأسه قائلاً :
– هكلمهم النهاردة ان شاء الله
هاتف “عمر” أهله فى المساء .. لم يتحدث عن أى تفاصيل .. فقط قال لأمه بأنه وجد فتاة أحلامه التى يتمنى الارتباط بها .. ويريدها أن تلتقى مع عائلته ويعرفهم عليها .. كانت والدته سعيدة للغاية .. فلطالما انتظرت اليوم الذى يدق فيه قلب ابنها مرة أخرى .. اتفقا على القدوم بعد ثلاثة أيام .. لن يحضر الأبوان فقط .. بل عمته “ثريا” أيضاً .. انهى المكالمه وهو يشعر بالسعادة فى قلبه .. فها هو يقترب من حلمه شيئاً فشيئاً .. “يــاسمـــيــن”
نادى الخادمة وقال لها :
– عايزك تنضفى البيت والأوض كلها كويس جدا لان أهلى جايين المزرعة وهيعدوا كام يوم

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *