عوض فريده بقلم سمسمه

 

كانت الليلة دافية، وهدوء البيت بعد ما فريدة نامت كان بيخلي أصغر صوت يتعمل له ألف حساب. حمزة قاعد في الصالون، ماسك اللاب توب بتاعه ومتبعتر قدامه أوراق ومشروعات الشغل، بس نظراته مكانتش على الشاشة، كانت سرحانة في اللاشيء. أنا خلصت اللي في إيدي في المطبخ، وطفيت الأنوار الزيادة، ومشيت بالراحة لحد ما وقفت جنبه وأنا شايلة كباية شاي بالنعناع بحب يشربها في الوقت ده.
حطيت الكباية على الطاولة اللي جنبه، وبصيت له بهدوء وقلت له: “الشاي هيبرد يا حمزة، كفاية شغل النهاردة.. أنت طالع عينك من الصبح.”
رفع راسه بص لي ببطء، وفي عينيه لمعة غريبة، كأنه كان في دنيا تانية وصوتي صحاه منها. حط اللاب توب على الجنب، وقعد يفرك في وشه بأيديه الاثنين بتعب واضح، وبعدين قال بنبرة واطية مكتومة: “مش الشغل اللي تعبني يا سما.. أنا اللي حاسس إني تقيل على نفسي.”
قعدت جنبه على الكنبة، وسكت لحظة بجمع كلامي. دي كانت أول مرة من يوم ما اتجوزنا من سنتين حمزة يبدأ كلام من نوعية دي، هو دايماً راجل كتوم، زي الصخرة، مش بيبين مشاعره ولا بيحكي عن اللي جواه. قربت منه وقلت بابتسامة هادية: “ساعات التعب مبيبقاش من اللي بنعمله، بيبقى من الحاجات اللي حابسينها جوانا ومش عايزين نطلعها.”
بص لي أوي، وكأن الكلمة لمست جرح قديم جواه. أخد نفس طويل وطلعه ببطء شديد، وطلع بوكيه المفاتيح من جيبه وقعد يقلب فيه بتوتر، وبعدين حط إيده على ركبته وقال: “أنا لما اتجوزتك.. كان كل حاجة مترتبة. أبويا وأبوكي اتفقوا، وأنا مشيت في السكة. كنت شايف إن دي الأصول وإني لازم أعمل كده، بس كان عندي شرط جاني مع نفسي ومقلتوش لحد.. كنت شايف إن الراجل عشان يثبت نفسه وينجح بجد، لازم أول خلفة ليه تكون ولد. حاجة كده من الأفكار القديمة اللي اتربينا عليها في العيلة، الولد اللي يشيل الاسم، اللي يقف جنبك لما تكبر، اللي يكمل السلسلة.”
سكت شوية، وأنا فضلت ساكتة وبسمعه بكل جوارحي، متفاجأة من الصراحة اللي عمره ما أظهرها.
كمل وهو بيبص للأرض، وصوته بيتهز لأول مرة: “يوم ما ولدتي فريدة.. ودخلت المستشفى وشفتها، جاني إحساس غريب. مكانش كره، أعوذ بالله، بس كان خيبة أمل. حسيت إن الحلم اللي طوعت نفسي عليه اتهدم. عشان كده كنت ببعد، كنت بخاف أقرب منها فحبها أكتر، وبخاف أبص لها فافتكر إني خلف ظني بنفسي. كنت بقنع نفسي إن البعد أريح.. بس أنا كنت بعاقب نفسي وبعاقبكم معايا.”
مسك كباية الشاي بين إيديه ورجع بص لي في عيني مباشرة، وقال والندم مالي كلامه: “لكن فريدة.. كل يوم بتكبر فيه، بتقول لي إن كل اللي يفكر بالطريقة دي يبقى أعمى. فريدة مش بس حتة مني، دي حتة منك أنتِ يا سما. كل ما تبص لي وتضحك، كل ما تجري عليا برجلين صغيرة متتضبطش في المشي وتترمي في حضني.. بحس إني كنت عايش في وهم كبير. البنت دي مش مجرد عيل، دي المكان الوحيد اللي بفرد فيه ظهري وبحس فيه إني إنسان.”
كانت دموعه محبوسة في عينيه، وأنا دموعي كانت خلاص نزلت على خدي من التأثر. مسكت إيده بقوة وقلت له: “حمزة.. فريدة عمرها ما كانت خيبة أمل، وفريدة بتحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا، وأنا من زمني عارفة إن قلبك طيب ومستنية اليوم اللي تفتح فيه الباب ده وتاني يوم مش هيبقى زي اللي قبله.”
ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة حقيقية مش من بتاعة الشغل، ورفع إيدي وطبع عليها بوسة دافية وقالت: “سامحيني يا سما.. أنا كنت فاكر إني راجل مسيطر ومفكر صح، وطلعت مش شايف الفرحة اللي كانت بين إيديا.”
من الليلة دي، كل حاجة في بيتنا اتغيرت. حمزة اللي كان بيرجع يتسحب يدخل مكتبه، بقى يفتح الباب وهو بيدور بفريدة بعينيه، ولما هي تسمع مفاتيحه في الباب تكركر وتجري على أيديها ورجليها بسرعة وهي بتهتف “بابا.. بابا!”، يوطي ويشيلها لفوق في الهواء ويضحك من قلبه صوته يرن في الشقة كلها. بقى هو اللي يطلب ينيّمها، وهو اللي يقعد يلعب معاها باللعب الصغيرة على الأرض، وكأن سنين الجمود دي كلها دابت في لحظة.
وفي يوم، بعد كام شهر، وفريدة كبرت وبقت تمشي خطوات بثبات أكتر، كنا قاعدين بنتعشى كلنا سوا، وحمزة ماسك المعلقة وبيدوق فريدة حتة أكيل صغيرة وهي بتسقف بفرحة. بص لي حمزة فجأة وقال بابتسامة رايقة: “تعرفي يا سما؟ أنا كنت زمان فاكر إن السعادة هي إنك تجيب ولد يشيل اسمك، بس اكتشفت إن السعادة الحقيقية هي إن ربنا يرزقك ببنت.. تخليك تبدأ حياتك من جديد.”
فريدة بصت له وقالت بضحكة طفولية وصوت عالي: “بحبك يا بابا!”
حمزة حضنها بقوة، وبص لي بامتنان عميق، وعرفنا إحنا الاثنين إن البيوت مش بتبنى بالأحلام القديمة ولا بالأسماء اللي بنحفرها، البيوت بتبنى بالحب اللي بيطلع في وقته الصح، والضحكة اللي بتدوب أي قسوة في الدنيا.الأيام مرت بعدها زي السحاب، وبقت العيشة في بيتنا ليها طعم تاني خالص. حمزة اللي كان بيعد الأيام بالورقة والقلم في الشغل وبيتاخر للبيت بحجة إنه مشغول، بقى يظبط ساعته على الساعة خمسة بالدقيقة. منين ما الساعة تيجي، يقفل اللاب توب بتاعه، ويسيب المهندسين والموظفين في الشركة يضربوا أخماس في أسداس من التغير المفاجئ ده، ويركب عربيته ويجري على البيت كأنه هربان من الدنيا كلها عشان يلحق الساعة اللي قبل المغرب مع فريدة.
في يوم من أيام الجمعة، والشمس مالية الصالة ودافية، كنت واقفة في المطبخ بجهز الغدا.. صينية بطاطس بالفراخ ورز بشعرية، والريحة مالية الشقة كلها. خرجت بالصدفة وبصيت من باب المطبخ، لقيت منظر يخلي الواحدة تقف تتفرج وهي بتدعي ربنا يديمها نعمة.
حمزة كان قاعد على الأرض، فارش الملاية البيج الكبيرة اللي بنحطها وقت لعب فريدة، وكان سايب جزمته على الباب، ولابس بنطلون ترينج خفيف ومشمّر أكمام قميصه. فريدة كانت قاعدة قدامه، عندها دلوقتي سنة وشهرين، بقت تقف على حيلها وتمشي خطوات متلخبطة وتدبدب برجليها الصغيرين على الأرض. كانت ماسكة مكعبات بلاستيك ألوان، وعمالة تحاول تحط المكعب الأحمَر فوق الأصفر، وكل ما تقع التركيبة تكركر بصوت عالي وتخبط بكفوفها المظبللة على ركبة حمزة.
وحمزة؟ حمزة الراجل اللي نص رجال الأعمال في السوق بياخدوا له ألف حساب وبيخافوا من نظرة عينيه، كان قاعد على ركبه وأيديه على الأرض، وبيمثل إنه متفاجئ ومبهور بكل مكعب تحطه!
“شاطرة يا فريدة.. شاطرة يا قلب بابا!” كان بيقلها كده بصوت دافي أوي، وبعدين يوطي وياخدها في حضنه ويعض خدودها بالراحة وهي تتكركر وتصرخ بالراحة من الفرحة، وتقول له بلسانها التقيل: “ببا.. تاني! تاني يا ببا!”
قربت منهم وأنا مسندة إيدي على وسطي وابتسامتي مالية وشي، وقلت بهزار: “لا يا سيدي، ده أنت بقيت أستاذ في تركيب المكعبات خلاص! نسيت مشاريع العاصمة والشركات اللي هناك وقاعد هنا بتبني أبراج بلاستيك؟”
رفع حمزة راسه وبص لي، وكانت في عينيه لمعة رضا عمرها ما كانت موجودة زمان. ابتسم وقال: “المشاريع والشركات دي كلها عشان نجيب فلوس يا سما.. إنما اللي هنا ده، هو اللي بيبني البني آدم من جوة. أنا اكتشفت إني ضيعت من عمري سنة كاملة وأنا عمال أفكر في أوهام فارغة، وكان ممكن أضيع السعادة دي كلها من إيدي لو فضلت على قسوة قلبي.”
فريدة أول ما سمعت صوتي، سابت المكعبات وكرت على أيديها ورجليها وقامت وقفت بالعافية وهي ماسكة في بنطلون حمزة، وبصت لي وقالت: “ماما.. أكِل!”
ضحكنا إحنا الاثنين على بديهتها، وحمزة شالها بلمحة عين وحطها على كتفه، وقام وقف وهو بيطبطب على ظهرها الصغير وقال: “يلا يا ستي، ست الكل عملت الأكل، تعالى أما نغسل إيدينا الصغيرين دول الأول.”
وهما داخلين الحمام يتغسلوا، كنت حاسة إن البيوت فعلاً مش بالحيطان ولا بالعفش الغالي.. البيوت بالدفا اللي بيسكنها، وبالقلوب اللي بتعرف ترجع عن غلطها وتبدأ من جديد.
عدت السنين ورا السنين، وفريدة بقت تكبر قدام عينينا زي الوردة. بقت في المدرسة، وذكائها وضحكتها ماليين البيت. وحمزة؟ حمزة بقى مش بس باباها، ده بقى صديقها الأنتيم، اللي بتحكي له كل صغيرة وكبيرة، واللي لو حس إنها زعلانة دقيقة واحدة، يقلب الدنيا عشان يرجع الابتسامة لوشها.
وفي ليلة من ليالي الشتا، لما كانت المطرة بتمطر برة والجو برودته شديدة، كنا قاعدين بنشرب سحلب دافي وفريدة كانت نامت في أوضتها بعد ما حمزة حكى لها قصة قبل النوم. بص لي حمزة وهو ماسك كبايته وقال بصلابة وحب: “عارفة يا سما؟ ساعات بفكر، لو كان ربنا رزقني بوالد زي ما كنت بتمنى زمان.. هل كنت هعرف يعني إيه حب بدون شروط؟ هل كنت هفهم إن حنية البنت دي بالدنيا وما فيها؟”
قربت منه وحطيت إيدي على إيده وقلت له: “ربنا بيدي كل واحد اللي ينفعه مش اللي بيتمناه، وفريدة كانت النعمة اللي فتحت قلبك للدنيا.”
ابتسم وهو بيسحب نفس طويل، وكأنه بينهي فصل قديم ومؤلم من حياته، ويبدأ معاي أنا وفريدة أحلى سنين عمرنا.مرت الأيام والسنين أسرع مما تتخيل، وفريدة بيكبر طولها وبيكبر معاها تعلق حمزة بيها. البنت اللي كان خايف يقرب منها، بقت هي بوصلته في الحياة، وضلعه الثابت اللي بيتسند عليه لما الدنيا تتقل عليه في الشغل.
عدت السنين، وفريدة بقت عروسة زي الفلق، زي القمر في ليلة تمامه، تخرجت من كلية هندسة وبقت واخدة من أبوها ذكائه وهدوءه في العمل، واخدة مني ضحكتي وشقاوتي. وفي ليلة حنتها، البيت كان مليان زغاريد وناس وضحك، والكل فرحان وهي قاعدة وسط أصحابها لابسة الأبيض والطرحة بتلمع على شعرها.
وسط كل الزيطة دي، لمحت حمزة واقف بعيد في البلكونة، لابس بدلت الشيك، بس إيده بتترعش وهو ماسك سيجارته، ونظراته سرحانة في الشارع برة. انسحبت من وسط الحريم بالراحة، وخرجت وقفت جنبه، حطيت إيدي على كتفه وقلت بنبرة دافية: “أبو العروسة واقف لوحده ليه؟ الساحة تحت مولعة زغاريد وأنت واقف هنا بتفكر في إيه يا حمزة؟”
أخد نفس طويل من السيجارة، وطفى الباقي في الطفاية، وبص لي وعينيه مليانة دموع محبوسة بصعوبة.. دموع راجل عزيز النفس مبيحبش يبان ضعيف قدام حد. وقال بصوت هادي ومجروح: “بفكر في اليوم اللي اتولدت فيه يا سما.. بفكر في الساعة اللي خرج فيها الدكتور وقال لي ‘مبروك جالك بنوتة’. بفتكر نفسي وأنا زعلان ومكسور عشان مكنتش ولد، وبفتكر الأيام اللي ضيعتها من عمرها وأنا بعيد عنها.”
مسك إيدي بقوة وكمل كلامه وهو بيتبسم بكسرة: “النهاردة راجل تاني جاي ياخدها مني.. جاي ياخد الحتة الوحيدة اللي كانت بتعدل مزاجي وتخليني أبتسم لما الدنيا كلها تقفل في وشي. فريدة دي مكنتش مجرد بنت، فريدة كانت الروح اللي رتقت خرم كبير كان في قلبي وأنا مش حاسس بيه. أنا خايف الشقة تفضى علينا يا سما.. خايف أرجع من الشغل وما أسمعش خطوات رجليها وهي بتجري وتقول لي ‘بابا جيت!’.”
طبطبت على إيده وقلت له بصوت حنين: “فريدة هيفضل بيتها هنا يا حمزة، والسر اللي بينك وبينها عمره ما هيموت. أنت بنيت جواها أب مش ممكن تنساه ولا تبعد عنه.. وهي عارفة إنها مهما كبرت هتفضل فريدة الصغيرة اللي كركبت كيانك بضحكة واحدة.”
في اللحظة دي، الباب بتاع البلكونة اتفتح، ودخلت فريدة بفستانها الأبيض الواسع، ماسكة طرفه بإيد والإيد التانية مرفوعة وهي بتسقف بالراحة. بصت لأبوها وقالت بابتسامة سكر زي بتاعة زمان: “بابا! واقف هنا بتعمل إيه وتسيبني؟ مش اتفقنا إن أول رقصة في الفرح هتكون معاك أنت الأول؟”
حمزة أول ما شافها، مسح طرف عينيه بسرعة، وفتح لها ذراعته الاثنين. فريدة جرت عليه، مش زي عروسة كبيرة، لأ.. جرت بنفس الطريقة اللي كانت بتتسحب بيها وهي عندها سنة! اترمى في حضنه وغطست راسها في صدره، وهو ضمها بقوة كأنه خايف تطير منه في الهواء.
وطى حمزة على أذنها وقال لها بنبرة دافية ومجروحة حب: “أنتِ أحلى حاجة حصلت في حياتي يا فريدة.. أنتِ النعمة اللي ربنا جابهالي عشان يعلمني يعني إيه حب بجد.”
فريدة رفعت راسها وبصت في عينيه وقالت بثقة: “وأنت أعظم بابا في الدنيا يا حمزة بيه.. ويا سيدي متقلقش، أنا شرطت على عريسي إن يوم الجمعة ده مقدس، هاجي هنا وآكل معاك وأغلبك في المكعبات والتفاصيل القديمة دي كلها!”
ضحك حمزة من قلبه، ضحكة صافية طلعت من جوه وجدانه، وشال إيدها وحطها في ذراعه، وبص لي وغمز لي بعينيه وهو طالع بيها على القاعة..
وهنا عرفت إن الحكايات المشقلبة في الأول ممكن تكون هي أصدق الحكايات في الآخر.. وإن البنت اللي حمزة مكنش عايزها في الأول، بقت هي السيرة الحلوة، والقصة اللي عاش يفتخر بيها قدام الدنيا كلها، والسبب الوحيد اللي خلى لبيتنا روح ودفا يفضل عايش معانا للآخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *