بنت عندها ٧ سنين … حكايات زيزي

أب.
الكلمة خرجت منها بسرعة…
وبشكل محفوظ.
كأن حد كان قالها قبل كده تقول الجملة دي بالظبط.
منى لاحظت ده، لكنها ماحبتش تضغط عليها.
مريم حاولت تبص من خلال الأبواب اللي اختفى وراها أخواتها.
وبعدين سألت
ممكن أرجع أجيب ماما دلوقتي؟
منى مسكت إيديها الاتنين.
وقالت
الشرطة هتروح لها يا حبيبتي. إنتِ لازم تفضلي هنا عشان نعالج رجلك.
مريم بصت لها بخوف.
بس… هتلاقوها؟
منى قربت منها أكتر وقالت
أوعدك… حد هيروح يجيب مامتك.
ولأول مرة من وقت ما وصلت المستشفى…
مريم سمحت لنفسها إنها تقعد.
لكن محدش كان يعرف وقتها…
إن اللي مخبّاه تحت البطانية الصغيرة اللي كانت ملفوفة حوالين التوأم، هيغير حياة مريم وأخواتها للأبد.
وإن بعد ساعات قليلة…
راجل واحد بس هيعرف إن البنت دي وصلت للمستشفى.
وساعتها…
هيبدأ يدور عليها ووو
بعد حوالي عشرين دقيقة، خرجت الدكتورة سارة من غرفة الحضانات وهي بتخلع القفازات بسرعة.
منى قامت من مكانها وسألتها بقلق
الدكتورة… التوأم؟
سارة بصت لها لحظة قبل ما ترد
لسه حالتهم حرجة، بس لحقناهم في الوقت المناسب.
منى تنفست براحة، لكن سارة ماكملتش كلامها.
كانت باصة ناحية مريم.
البنت الصغيرة كانت قاعدة على كرسي في آخر الطوارئ، ورجليها مرفوعة فوق كرسي تاني، وممرضة بتنضف الجروح اللي في باطن قدمها.
مريم كانت ساكتة تمامًا.
لا بتعيط…
ولا بتسأل عن حاجة.
بس كل شوية تبص ناحية باب الحضانات.
سارة قربت منها وقعدت قدامها.
مريم…
البنت رفعت عينيها.
أيوه.
أنا الدكتورة سارة. إخواتك دلوقتي تحت الملاحظة، وإحنا هنفضل معاهم.
مريم هزت راسها.
لكن قبل ما سارة تقوم، مريم مسكت طرف بالطوها.
هو… ياسين هيعيش؟
سارة سكتت لحظة.
وبعدين ابتسمت ابتسامة هادية.
إحنا هنعمل كل اللي نقدر عليه.
مريم قربت وشها منها وهمست
ماما كانت بتقول إن ياسين أقوى من آدم.
سارة استغربت.
مامتك كانت بتتكلم عنهم؟
مريم هزت راسها.
قبل ما تنام.
وقالتلك إيه؟
مريم بصت حواليها، وكأنها خايفة حد يسمع.
قالتلي لو حصلها حاجة… ما أديش الورقة لحد.
سارة اتجمدت.
ورقة؟
مريم سكتت.
منى قربت منها وقالت
أي ورقة يا حبيبتي؟
مريم ضغطت شفايفها على بعض.
اللي تحت البطانية.
في اللحظة دي، الدكتورة سارة ومنى بصوا لبعض.
سارة قالت
البطانية اللي كانت في العربية؟
مريم هزت راسها.
أيوه.
هي فيها إيه؟
مريم ما ردتش.
لكن عينيها راحت ناحية باب الحضانات.
وقالت
ماما قالتلي إن محدش يعرف عنها… غير الشخص اللي اسمه مكتوب عليها.
سارة وقفت فورًا.
إيه الاسم؟
مريم همست
مش عارفة أقراه.
سارة سألت
طب إنتِ شوفتيه؟
مريم هزت راسها.
أيوه.
فين الورقة دلوقتي؟
مريم بصت على العربية الحمراء.
كانت العربية لسه موجودة في طرف الطوارئ.
لكن البطانية…
ماكانتش موجودة.
سارة اتلفتت بسرعة.
فين البطانية؟
ممرضة ردت
دخلت مع التوأم.
سارة قالت فورًا
هاتوها.
وبعد دقائق، رجعت الممرضة ومعاها البطانية.
كانت صغيرة وبسيطة جدًا.
لكن لما فردوها على الترابيزة…
لاحظت منى إن فيها خياطة غريبة في الطرف.
مش خياطة بطانية عادية.
كان فيه جزء من القماش متخيط بخيط سميك بلون مختلف.
سارة قالت
هاتوا مقص.
وقبل ما تقص الخيط…
صدر صوت من جهاز مراقبة التوأم داخل الحضّانة.
صفارة طويلة.
الممرضة جريت ناحية الغرفة.
وسارة رمت المقص على الترابيزة واندفعت وراها.
مريم وقفت من مكانها رغم الألم.
ياسين؟!
لكن محدش رد عليها.
دخلت سارة الحضّانة بسرعة.
كان ياسين ساكت تمامًا.
الأرقام على الشاشة بدأت تتغير.
الممرضة صرخت
الدكتورة!
وبدأت سارة تتعامل مع الحالة فورًا.
أما مريم…
ففضلت واقفة عند الباب الزجاجي.
إيديها الصغيرة متشبثة في طرف فستانها.
وبعد دقائق بدت كأنها ساعات…
استقرت المؤشرات.
سارة خرجت وهي بتتنفس ببطء.
هو كويس دلوقتي.
مريم جريت ناحيتها.
بجد؟
بجد.
البنت حطت إيدها على قلبها.
وكأنها كانت حابسة نفسها من ساعة ما دخلت المستشفى.
لكن في اللحظة دي…
رن تليفون الطوارئ.
منى ردت.
طوارئ مستشفى النور.
جالها صوت رجل متوتر
البنت وصلت عندكم؟
منى قطبت حاجبيها.
مين حضرتك؟
الرجل سكت ثانيتين.
ثم قال
البنت اللي جابت التوأم.
منى بصت لمريم.
إنت مين؟
الصوت رد بنبرة حادة
المهم… متخلوهاش تمشي.
منى سألت
ليه؟
لكن الخط اتقفل.
سارة قربت منها.
مين ده؟
منى كانت لسه باصة للتليفون.
مش عارفة.
وفجأة…
سمعوا صوت عربية بتقف بعنف قدام باب المستشفى.
وبعد ثوانٍ، دخل رجل طويل يرتدي بدلة داكنة.
لم يسأل عن التوأم.
ولم يسأل عن الأم.
دخل وهو يبص في كل الوجوه.
وكأنه يعرف بالضبط مين بيدور عليه.
ثم وقعت عينه على مريم.
وتغيرت ملامحه بالكامل.
همس
هي…
ومريم أول ما شافته…
رجعت خطوتين للخلف.
وبصوت مرتعش قالت
إنت عرفت مكاني إزاي؟أكيد، نكمل ونسيب السر الأكبر لسه مستخبي
الرجل ما اتحركش.
فضل واقف عند باب الطوارئ، وعينه ثابتة على مريم.
أما مريم فكانت بتبص له بخوف واضح.
منى وقفت بينها وبينه فورًا.
حضرتك مين؟
الرجل ما ردش.
بدل كده، سأل بصوت منخفض
اسمها مريم؟
منى قالت بحزم
أيوه. وإنت مين؟
الرجل أخرج بطاقة من جيبه، لكنه ما مدهاش لها.
أنا اسمي فارس الدمنهوري.
الاسم خلّى واحد من رجال الأمن الموجودين عند الباب يبص له باهتمام.
فارس كان معروف في البلد.
رجل أعمال كبير، يمتلك شركات ومصانع وأراضي، واسمه كان كفاية يخلي ناس كتير تفتح له الأبواب من غير أسئلة.
لكن مريم أول ما سمعت الاسم…
وشها اصفر.
وقالت
ماما قالتلي ما أثقش في أي حد اسمه فارس.
الصمت نزل على المكان.
فارس نفسه اتجمد.
مامتك قالتلك إيه؟
مريم رجعت خطوة.
قالتلي لو حد جه وقال إنه فارس… أجري.
لأول مرة، ظهرت على وش فارس علامة خوف حقيقية.
مش غضب.
مش استغراب.
خوف.
قرب خطوة.
لكن مريم صرخت
ما تقربش!
فارس وقف مكانه.
سارة خرجت من الحضّانة في اللحظة دي.
فيه إيه هنا؟
فارس بص لها وقال
أنا محتاج أشوف الأم.
سارة ردت
الأم في البيت، والشرطة اتبلغت.
فارس قال بسرعة
هي مش في البيت.
منى سألت
إنت تعرف مكانها؟
فارس سكت.
وده كان كفاية يخلي سارة تشك فيه.
قالت
إنت تعرف الأم؟
فارس بص لمريم.
أعرفها.
مريم قاطعته
هو كان بييجي عندنا.
فارس بص لها.
إمتى؟
مريم قالت
قبل ما ماما تتعب.
سارة سألت
وكان بيعمل إيه؟
مريم حركت أصابعها بعصبية.
كان بيدي ماما فلوس.
فارس قال بسرعة
مش زي ما أنتم فاكرين.
لكن قبل ما يكمل…
دخل ضابط شرطة إلى الطوارئ.
كان اسمه المقدم كريم.
مين اللي بلغ عن طفلة وأطفال حديثي الولادة؟
منى أشارت إلى مريم.
هي.
كريم قرب منها بهدوء.
مريم، أنا مش هأذيكي. بس محتاج أعرف حصل إيه في البيت.
مريم بصت لفارس.
وبعدين قالت
البيت مش آمن.
كريم سأل
ليه؟
مريم همست
عشان فيه ناس بتدور على الورقة.
فارس رفع رأسه فجأة.
أي ورقة؟
مريم بصت له.
وفارس فهم من نظرتها إنها تعرف أكتر مما ينبغي.
قال كريم
إنت تعرف عن الورقة؟
فارس ما ردش.
وفي نفس اللحظة…
جاءت ممرضة من غرفة الحضّانة وهي شايلة البطانية.
دكتورة سارة… لقينا حاجة.
سارة أخذت البطانية.
الجزء المخيط كان مفتوحًا.
لكن بدل ما تكون فيه ورقة…
كان فيه مفتاح صغير جدًا.
ومربوط بالمفتاح خيط أزرق.
وتحته رقم مكتوب بقلم أسود
17
كريم مسك المفتاح بحذر.
مفتاح إيه ده؟
فارس أول ما شافه…
اتغير لون وشه.
سارة لاحظت.
إنت تعرفه؟
فارس قال
أيوه.
كريم قرب منه.
بتاع إيه؟
فارس بص لمريم.
وبعدين قال
ده مفتاح خزانة.
كريم سأله
فين؟
فارس ابتلع ريقه.
في محطة القطار القديمة.
مريم كانت ساكتة.
لكن لما سمعت كلمة محطة…
بدأت تهز راسها بعنف.
لا.
كريم سألها
إيه اللي حصل؟
مريم قالت
ماما قالتلي ما أروحش هناك.
ثم سكتت لحظة.
وأضافت
وقالت إن لو المفتاح وصل للمحطة… ناس كتير هتعرف إننا لسه عايشين.
فارس غمض عينيه للحظة.
كريم بص له.
مين الناس دي؟
فارس لم يجب.
وفجأة…
رن هاتف مريم.
الجميع بصوا ناحية الهاتف.
لكن مريم لم يكن معها هاتف.
الصوت كان قادمًا من داخل العربية الحمراء القديمة.
رنة…
ثم رنة ثانية…
ثم ثالثة.
منى قربت من العربية ببطء.
وتحت المقعد الحديدي الصغير…
كان فيه هاتف قديم مخبأ داخل قطعة قماش.
الرنة توقفت.
ثم وصلتها رسالة واحدة.
فتحتها من غير قصد.
كانت تحتوي على صورة.
صورة لمريم وهي بتسحب العربية الحمراء…
لكن الصورة لم تكن من المستشفى.
كانت ملتقطة قبل وصولها بحوالي ساعة.
ومن مكان مرتفع بعيد.
وتحت الصورة جملة واحدة
لو وصلت البنت للمستشفى… يبقى الخطة بدأت.
كريم رفع عينه ببطء.
مين كان بيراقبها؟
فارس قال بصوت خافت
مش شخص واحد.
ثم نظر إلى الباب الزجاجي للمستشفى.
وفي الخارج…
كانت سيارة سوداء متوقفة من غير لوحات واضحة.
وفجأة…
نزل منها رجلان.
مريم شافتهم من بعيد.
ولأول مرة منذ وصولها للمستشفى…
بدأت تصرخ
اقفلوا الباب!
كريم التفت.
ليه؟
مريم أشارت للسيارة وهي ترتجف.
دول اللي كانوا عند بيتنا…
ثم قالت جملة جعلت فارس يندفع ناحية الباب
هما مش جايين ياخدوني أنا…
وسكتت لحظة.
هما جايين ياخدوا إخواتي في أقل من ثانية، المقدم كريم رفع إيده.
اقفلوا الأبواب!
رجال الأمن اندفعوا ناحية المدخل، بينما سارة جريت باتجاه الحضّانة.
مريم كانت واقفة مكانها، جسمها كله بيرتعش.
فارس قرب منها وقال
مريم، بصيلي.
البنت ما بصتلوش.
هما هيأذوا ياسين وآدم.
فارس قال بسرعة
مش هخلي حد يقرب منهم.
مريم رفعت عينيها له لأول مرة.
إنت وعدت ماما؟
فارس اتجمد.
إيه؟
ماما قالت إنك لو رجعت… قولك إن وعدك خلص.
وش فارس تغير.
هي قالتلك كده؟
مريم هزت راسها.
قبل ما تنام.
وقبل ما فارس يقدر يسألها، انطفأت أنوار جزء من المستشفى.
صرخ أحد الموظفين
الكهربا قطعت!
اشتغل مولد الطوارئ بعد ثوانٍ، لكن الحضّانة كانت في حالة فوضى.
الأجهزة رجعت تشتغل واحدة وراء الثانية.
سارة دخلت بسرعة ناحية التوأم.
اتأكدوا من الأكسجين!
وفي نفس الوقت، سُمع صوت ارتطام قوي عند الباب الرئيسي.
مرة.
ثم مرة ثانية.
كريم قال
الكل يرجع لجوه!
مريم جريت ناحية الحضّانة.
لكن سارة أمسكت يدها.
لا، خليكي هنا.
مريم كانت بتبص على التوأم من خلال الزجاج.
آدم فين؟
سارة أشارت للسرير.
أهو.
مريم قربت وشها من الزجاج.
لكن فجأة…
لاحظت شيئًا.
تحت البطانية الموجودة بجانب آدم، كان فيه طرف قماش أزرق.
مريم اتسعت عينيها.
دي مش بطانيته.
سارة سألت
إيه؟
مريم قالت
ماما كانت بتلف آدم بالبطانية البيضا.
ثم أشارت للطرف الأزرق.
دي مش بتاعتنا.
سارة فتحت باب الحضّانة بسرعة.
رفعت البطانية…
وتحتها كان يوجد ظرف صغير.
لم يكن موجودًا عندما وصلت مريم للمستشفى.
سارة أخذته.
على الظرف كان مكتوب بخط يدوي
إلى مريم… لو وصلتِ إلى هنا، لا تثقي بفارس.
سارة رفعت رأسها.
فارس كان واقفًا عند الباب.
قرأ الجملة من بعيد.
وسكت.
كريم أخذ الظرف.
إيه ده؟
فارس قال
افتحه.
كريم بص له باستغراب.
إنت مش خايف؟
فارس رد
أنا خايف من اللي جواه.
فتح كريم الظرف ببطء.
لكن لم يجد مالًا…
ولا مستندات…
ولا حتى ورقة.
وجد صورة قديمة.
ثلاثة أشخاص واقفين أمام منزل ريفي.
رجل.
امرأة.
وطفلة صغيرة.
كريم قرب الصورة من عينه.
مين دول؟
فارس لم يجب.
سارة بصت للصورة.
ثم بصت لمريم.
البنت كانت تحدق فيها وكأنها تحاول تفتكر شيئًا.
وفجأة قالت
دي ماما.
كريم قال
والراجل؟
مريم هزت رأسها.
معرفوش.
ثم أشارت إلى شيء في خلفية الصورة.
بس المكان ده…
سكتت.
كريم سألها
إيه؟
مريم قربت الصورة من وجهها.
ده بيتنا.
فارس قال بصوت منخفض
مستحيل.
كريم التفت إليه.
إنت قلت إنك تعرف أم
لمحة نيوز





