وقفت قدام اللوحه ووداني بتزن من الصدمه

نزلت الورق على الترابيزة، ودمعة سخنة نزل من عيني.. مش حزناً على الفلوس، ولا فرحاً بالثروة.. دمعة وجع على نادية اللي شالتني حتى وهي تحت التراب، وعلى بنتي اللي بعتني وهي على وش الأرض.

مسكت التليفون، ورنيت على الأستاذة ماجدة المحامية.

“أهلاً يا عم حلمي.. قريت الجواب؟”

“قريته يا أستاذة.. بس في حاجة نادية كاتباها مش فاهمها.”

ضحكت الأستاذة ماجدة بصوت واطي: “أكيد بتتكلم عن البند الأخير بتاع المقاولات؟”

“مقالوات إيه؟”

“نادية الله يرحمها قبل ما تتوفى بشهرين، اشترت أسهم الشركة اللي مصطفى جوز بنتك شغال فيها ومزنوق في ديونها.. مصطفى دلوقتي مش بس مديون للمكتب، مصطفى شركته مهددة بالإفلاس، والمالك الجديد للأسهم اللي يقدر يطرده ويرميه في الشارع.. هو أنت يا عم حلمي!”

قعدت على الكرسي والهواء طار من صدري. نادية ما سابتليش ورث ورخص.. نادية سابتلي السلاح اللي أكسر بيه عين كل واحد ظلمني وجاس عليا لما كنت مكسور الجناح!

مرت ثلاثة أيام..

كنت قاعد في الصالة، الشمس دخلت تملى البيت بريحة الورد البلدي والفل اللي على البحر. قميصي أبيض ونظيف، وكوباية الشاي بالنعناع في إيدي، وصوت أم كلثوم طالع من الراديو القديم: *”ودارت الأيام…”*

وفجأة.. صوت فرملة عربية جامدة برة.

الريشة طارت، والخبط على الباب جه المرة دي مش برزع وقمة، جه بخبطات خفيفة، خبطات ايدين مرعوبة وذليلة.

فتحت الباب بالراحة..

كانت نيرمين ومصطفى.. بس المرة دي ما كانوش شايلين شنط.. كانوش لابسين القمصان الفاخرة والنظارات الشمس. نيرمين عينيها ورمة من الكحيل والمكياج سايح على وشها، ومصطفى وشها أصفر زي الليمونة المقطوعة، شايل في إيده بوكيه ورد بلدي ورجله مش شايلاه.

“بابا..” نيرمين قالتها وهي بتعيط بصوت مكتوم، وركعت تحت رجلي على عتبة الباب: “سامحني يا بابا.. أنا آسفة، أنا بنت جاحدة وماتعلمتش الأدب!”

ومصطفى قرب ومد إيده يمسك إيدي، بصوت يملؤه التوسل: “يا حاج حلمي.. إحنا ملناش غيرك، الشركة بتقفل، والمحامين جايين يحجزوا على شقتنا وعربيتنا، والأسهم اللي مع حضرتك هي الأمل الوحيد اللي يرقبنا من السجن! وحياة النبي يا حاج، أسترنا، إحنا عيلتك!”

بصيت ليهم من فوق لتحت.. بصة طولها تسع سنين حرمان، تسع سنين شقى في البرد والنوم على بلاط ورشة الدوكو، تسع سنين كسر نفس وخاطر.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *