حتى لا اقتل بسمه تمردك ٢ مريم غريب

*******************************************************************
كانت تجلس شاردة خلف مكتبها ، تارة تفكر بأقاويل العاملين التي زادت عليها خاصة بهذا اليوم و تارة تفكر بكيفية الإحتفاظ بمنزلها .. :
-صباح الخير يا داليا.
قطع حبل أفكارها ذلك الصوت ، فرفعت رأسها و نظرت نحو المصدر لتجد”عماد”واقفا بثبات أمامها فحيته بدورها قائلة:
-صباح النور يا عماد .. ازيك ؟؟
-الحمدلله تمام .. انتي ايه اخبارك انطويتي علي نفسك فحأة يعني !!
إصطنعت”داليا”إبتسامة لم تصل إلي عينيها ثم قالت:
-مش حكاية انطواء و الله يا عماد .. انا بس في موضوع شاغلني اوي و يعني بحاول ادورله علي حل.
ثم صاخت متسائلة:
-صحيح يا عماد .. هما الناس اللي هنا مالهم انهاردة ؟؟
تجهم وجهه فجأة ثم قال:
-مالهم ازاي يعني يا داليا ؟؟
هزت كتفيها قائلة:
-مش عارفة حاسة ان في حاجة مش طبيعة خصوصا نظرات الكل هنا .. و بالذات ليا انا !!
ضغط”عماد”علي شفتيه بأسف فقطبت”داليا”حاجبيها قائلة:
-عماد .. في ايه ؟؟
-مافيش حاجة يا داليا.
أجابها بإبتسامة متوترة فلم تصدقه و عادت تسأله:
-عماد ! .. في ايه بجد ؟ اتكلم من فضلك ؟؟
-مافيش حاجة يا داليا ما انتي عارفة طبيعة الناس بيحبوا يتكلموا في الفاضية و المليانة.
-بردو مش فاهمة حاجة .. في ايه يا عماد ؟؟
لم يجد مفر من الحديث فتنهد قائلا:
-انتي مش كنتي مع مستر عز الدين امبارح بتتعشوا مع بعض برا ؟؟
-اه.
أجابته في دهشة ثم سألته:
-عرفت منين ؟؟
-رانيا عزيز .. فاكراها دي اللي كنت حكيتلك عليها قبل كده شافتكوا مع بعض .. و لو تفتكري بردو اني قلتلك انها اكبر رغاية في الدنيا و ان الخبر مش بيبات في بؤها ليلة و خصوصا ان الخبر ده يخص عز الدين نصار حبيب صحبتها جومانة السابق .. و اللي برغم كل اللي بيعمله فيها لسا بتحبه بجنون و مراهنة عليه حتي بعد ما قطع علاقته بيها.
أومأت”داليا”رأسها عابسة بينما تابع”عماد”:
-عشان كده نشرت الخبر علطول .. لكن و لا يهمك يعني الموضوع هياخدله يومين و هينتهي خالص.
ثم أضاف في تردد:
-بس ايا كانت طبيعة العلاقة اللي بينك و بين مستر عز الدين حاولي تخلي التفاصيل سرية عشان الكلام مايكترش زيادة.
إحتقن وجهها غضبا جراء كلماته فصاحت قائلة:
-علاقة ! علاقة ايه يا عماد ؟ انت كمان هتقولي علاقة !
ثم تابعت بحدة:
-انا مافيش اي حاجة بيني و بينه و مش عشان هو ساعدني يوم ما امي اتوفت من باب الانسانية يبقي بيحبني و انت عارف ان ده مستحيل اساسا و بردو مش عشان خرجت معاه في مشوار شغل يبقي بموت فيه مثلا انا مش النوع ده.
ثم صمتت لثوان و تابعت في ضيق:
-حتي انت كمان يا عماد !!
بينما أسرع يقول في لطف:
-داليا .. انا ماقصدش حاجة و الله انا بس كنت بحاول انبهك بأي طريقة عشان تقدري تبعدي عنك كلام الناس مش اكتر .. انتي عارفاني و عارفة اني ماقصدش اضايقك ابدا مش كده ؟؟
تنهدت بثقل و لم تجب فرمقها بأسف قائلا:
-عموما بردو انا اسف يا ستي لو كنت ضايقتك بدون قصد .. عن اذنك.
ثم انسحب في هدوء و تركها مع حنقها و عصبيتها يستبدا بها ، و لكنها ما لبثت أن طردت تلك السخافات من رأسها و راحت تفكر بطريقة ما للحصول علي مزيد من المال لجمع القيمة المطلوبة لتغطية تكاليف شراء منزلها ، أدركت أن لا أمل لها بتغطية المبلغ المطلوب في غضون أسبوع واحد فقط !
ثم فجأة قفزت برأسها فكرة و لكنها ترددت قليلا ، لكن ليس هناك ثمة حل أخر ، هبت واقفة و أخذت نفسا عميقا ثم ذهبت إلي مكتبه مسرعة قبل أن تغير رأيها ..
طرقت الباب ثلاث مرات ثم أدارت المقبض و دخلت ، كان المكتب فارغا فأعتلي الحزن و الضيق وجهها ، و لكن فجأة ظهر “عز الدين”حيث رأته يخرج من الحمام الملحق بالمكتب لامع البشرة ، شعره مبللا يقطر منه الماء و كذلك صدره الصلب الذي ظعر خلف قميصه الأسود المفتوح غضت”داليا”بصرها في سرعة بينما تجمد”عز الدين”بمكانه للحظة دون كلام ، ثم أخيرا تقدم صوب مكتبه قائلا و نظره معلق عليها:
-اهلا يا داليا.
كان يحدجها بإبتسامة بسيطة فيما إلتقط ساعة يده من فوق مكتبه و شرع بلبسها:
-حضرتك .. انا خبطت قبل ما ادخل يافندم.
قالت ذلك كي تكسر طبقة التوتر التي خيمت عليها بينما همهم بهدوء و هو يزرر قميصه بسرعة ثم نظر إليها و قال بعد تنهيدة قصيرة:
-مش مشكلة المهم انك دخلتي .. هاه .. كنتي عايزة ايه بقي ؟؟
ترددت كثيرا قبل أن تتفوه بأي حرف ، فرفع حاجبيه مستفسرا بينما تنهدت و بدأت تتكلم ببطء شديد و هي تتعثر بالكلام ، لقد رتبت الكلمات و أعادتها في فكرها عدة مرات:
-كنت .. كنت .. كنت عايزة اقول لحضرتك …
ثم صمتت فجأة ، إذ وجدت صعوبة في طلب أي إعالة مادية منه ، بينما هز رأسه يحثها علي الإسترسال في حديثها فسحبت نفسا عميقا و كادت تتكلم لولا أنه قاطعها قائلا:
-استني خليني اخمن عايزة تقوليلي ايه .. عايزة تقولي حاجة بخصوص الليلة اللي فاتت مش كده ؟؟
هزت رأسها و كادت تتكلم فقاطعها مجددا:
-بصراحة كنت فاكرك مش هتيجي بس جيتي.
كانت لهجته لاذعة ساخرة كما إعتادت منه فيما تقدم صوبها ببطء حتي وقف أمامها مباشرة ، فتمكنت من إستنشاق رائحة عطره المركزة الرائعة و التي أشعرتها بدوار خفيف ، بينما تحولت عيناه الذهبيتان فوق صفحة وجهها قبل أن تتوقفا عند فمها المكتنز الناعم ، لم تخطيء”داليا”فهم اللهيب الذي حل محل السخرية في نظراته ، المشكلة هي أن إضطرابا غير مرغوب به بدأ يسري في كيانها إذ أخذت نبضات قلبها تتسارع جراء نظراته و قربه منها ، و لكنها غالبت مشاعرها بقوة حيث رفعت ذقنها قائلة:
-انا عايزة اتكلم مع حضرتك في موضوع مهم جدا بالنسبة لي.
توتر فمه فجأة و كأنه قد عاد للواقع فعادت السخرية تكتسح الرغبة في أعماق عينيه ثم قال:
-طبعا طبعا .. هنتكلم يا داليا .. زي ما قلتلك انا ماكنتش متوقع انك تيجي انهاردة بس علي الاقل كنت متاكد انك هترجعي .. عموما يا ستي امرك هنتكلم في اللي انتي عابزاه بس مش هنا.
رفعت حاجبها متسائلة:
-اومال فين يافندم ؟؟
نظر في ساعة يده ثم أجابها:
-ساعتين بظبط و هاخدك و نروح مكان هادي خالص مافيهوش حد غيرنا .. هناك بقي تقدري تقولي كل اللي نفسك فيه.
رمقته في صدمة ثم صاحت قائلة:
-مكان ايه ده حضرتك ؟ لأ طبعا مش هروح معاك لأي مكان !!
تنهد بنفاذ صبر و هو يرمقها بتلك النظرة الهازئة الساخرة ثم قال:
-اومال انتي رجعتي ليه بعد اللي حصل امبارح ؟ عايزة ايه ؟؟
إتسعت عيناها بصدمة أكثر فأومأت رأسها قائلة:
-صح .. صح انت عندك حق انا فلطانة فعلا اني رجعت.
و همت بالرحيل فقبض علي معصمها قائلا:
-استني .. كنتي عايزة تقوليلي حاجة ؟؟
حاولت سحب يدها بقوة لكن قبضته كانت محكمة فوق ذراعها فقالت:
-في الحقيقة اه .. كنت هنسي اقولك اني مستقيلة.
– مستقيلة !
هتف بحدة ثم تابع:
-ايه مستقيلة دي ؟ هو لعب عيال ؟؟
جاهدت كي تمنع دموعها من التساقط فصرخت قائلة:
-انا حرة حضرتك .. و بعدين مش ده اللي انت عايزه ؟ انا همشي خلاص و مش راجعة تاني.
فأدارها إليه لتصبح في مواجهته ثم أخذ يحدق بوجهها الغاضب المتورد لبرهة و كأنه يفكر في شيئا ما ثم سألها في هدوء:
-تتجوزيني …. !!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *