حتى لا اقتل بسمه تمردك ٢ مريم غريب

********************************************************************

عادت إلي منزلها و الألم يعتصر قلبها ، ستواجه الكثير من المصاعب بعد الأن ، و لكنها مضطرة لتحملها عليها تحمل مسؤولية أخطاءها و تصرفاتها الطائشة التي أدت بها إلي طريق الظلمات الوعر ..
تأملت القصر قبل دخولها إليه ، فلم تجده جميلا كما إعتادت عيناها علي رؤيته ، بل أن كل شيء و كل مكان بات في نظرها كسجن كبير ، و منزلها أيضا أصبح السجن الأكبر يجب أن تمضي فيه فترة عصيبة و أليمة حتي ينتهي الكابوس .. أو قد لا ينتهي أبدا !
ترقرقت الدموع في عينيها لكنها سارعت لإستعادة رباطة جأشها سريعا ، ثم ذهبت علي الفور إلي إحدي زوايا حديقة القصر حيث آشعة الشمس تضفي جمالا غير عادي للمكان من حولها ، أرادت الإنفراد بنفسها و الإبتعاد عن الأخرين ، و لكن أمنيتها لم تتحقق ، إذ كان”عز الدين”و”خالد”يجلسان إلي طاولة خشبية صغيرة يحتسيان القهوة و يأكلان الحلوي ، لم يكن لديها مجال للتراجع لأن”خالد”ما أن شاهدها إبتسم تلقائيا ثم وقف إليها محبة و إحتراما طالبا منها الإنضمام إليهما ..
إبتسمت”عبير”في إرتباك ثم تقدمت صوبهما بخطي مضطربة حتي وصلت إليهما ، فقال”خالد”بسرور فيما كان يساعدها علي الجلوس بمقعد بجواره:
-بيرو .. وحشتيني يا حبيبتي .. بقالي كام يوم ماشفتكيش.
إبتسمت له و كأنها مشتاقة فعلا لرؤيته ثم قالت:
-اصلي مشغولة يا خالد .. امتحاناتي قربت فبذاكر بقي.
ثم نظرت بسرعة إلي أخيها الذي كان يتابعهما في صمت دون أن تتتغير ملامحه القوية أو تتبدل ، كان بجلس بهيبة و عنفوان و بدا قويا عندما سألها فجأة:
-كنتي فين يا عبير ؟؟
إبتلعت ريقها بتوتر ثم أجابت بنبرة جاهدة في أن تبدو عادية:
-كنت في الجامعة يا عز بسأل علي مواعيد المراجعات و كنت بشوف يعني لو كان في اي جديد.
أومأ رأسه في هدوء بينما سألها”خالد”بنبرة قلقة:
-بس انتي مالك يا عبير ؟ شكلك بقي عامل كده ليه ؟ انتي تعبانة و لا حاجة ؟؟
إرتعش بدنها لدي سماعها ملاحظته التي لسعتها كالسوط فأغمضت عيناها لبرهة كي تستعيد قوتها ثم نظرت إليه باسمة و قالت:
-لأ يا خالد مش تعبانة و لا حاجة .. انا بس مرهقة شوية بسبب التفكير في الامتحانات و المذاكرة انت عارف انها اخر سنة ليا و لازم اجتهد فيها علي اد ما اقدر.
مرر”خالد”أصابعه علي ذراعها بحنان قائلا:
-لأ يا حبيبتي لازم تاخدي بالك علي صحتك ماتجهديش نفسك في اي حاجة بالطريقة اللي توصلك للحالة دي.
-كيس جوافة قاعد في وسطكوا انا ؟؟
قال”عز الدين”ذلك بلهجة صارمة بينما قهقه”خالد”في مرح قائلا:
-ايه يا عم خطيبتي و بحبها .. و بعدين احنا عملنا ايه يعني ؟ ما انت شايف اهو تصرفات عادية جدا في منتهي البراءة.
-خالد !
هتف”عز الدين”في حدة فقال”خالد”ضاحكا:
-خلاص خلاص .. هسمع كلامك دلوقتي بس عشان لسا حبيبتي في بيتك لكن لما تيجي في بيتي بقي مش هتقدر تنطق بحرف لا معايا و لا معها.
ثم حول نظره إلي”عبير”و سألها بنعومة:
-مش كده يا حبيبتي ؟؟
بينما شهقت”عبير”بصوت خافت و هي تحدق بذلك الشخص الذي كان يقف خلف أخيها مباشرة ، فيما صوب”خالد”نظره تلقائيا إلي حيث تنظر”عبير”فإتسعت عيناه في دهشة و خوف ثم أخذ ينقل نظراته بين الشخص الواقف أمامه و بين”عز الدين”الذي تطلع إلي”خالد”و”عبير”في تساؤل يطالبهما بالتحدث ، فلما طال الصمت قطعه بصوته العميق قائلا:
-ايه .. مالكوا في ايه ؟؟
لم يلقي إجابة من أيا منهما ، فقط لاحظ نظراتهما المصوبة علي شيئا ما خلفه ، فبسرعة إنتصب واقفا بقامته الطويلة القوية ثم إستدار ليتفاجأ برؤية أخيه ، نظر إليه بعينين فولاذيتين غاضبتين ثم صاح به و الشرر يتطاير من عينيه المتسعتين حنقا و عداء:
– و كمان ليك عين توريني وشك ! ايه اللي جابك ؟ رجعت ليه أ …
قاطعه”عمر”بقوة بحركة من يده ثم تنفس بعمق و قال:
-اسمع يا عز .. انا جاي اقولك اني غلطان و اسف و منغير ما ندخل في تفاصيل هقولك باختصار .. الست اللي اسمها كاميليا فهمي دي من انهاردة مش امي و كرهي ليها بقي اد كرهك بالظبط و يمكن اكتر .. انا قطعت صلتي بيها نهائي و رجعتلك رجعت لبيتي .. لبيت ابويا و خليك متأكد اني حتي لو شفتها بعد كده و لو صدفة هكمل في طريقي عادي و لا كأني اعرفها.
إستقبل”عز الدين”كلام أخيه في هدوء ثم سأله ساخرا:
-و ايه يا تري اللي غير رايك كده ؟ ايه اللي حصل ؟؟
– قلتلك مش عايز ادخل في تفاصيل .. تسمحلي ادخل البيت ؟؟
صمت”عز الدين”و ظل ينظر إليه فقط فقال”عمر”:
-عن اذنك.
ثم مضي في سبيله إلي داخل المنزل تتابعه نظرات أخيه إلي أن غاب عن نظره تماما ..
بينما لحقت”عبير”بشقيقها قائلة:
-طيب عن اذنكوا.
تنهد”عز الدين”بعمق و هو يتساءل في نفسه عن سر تغير شقيقه:
-عارف انت بتفكر في ايه .. بتسأل نفسك ايه اللي حصل مش كده ؟؟
أفاق من شروده علي صوت”خالد”فإلتفت إليه في هدوء ثم قال و هو يجلس قبالته مجددا:
-بصراحة اه .. بس في نفس الوقت قرفان من التفكير في الموضوع عشان كده هنسي خالص و كويس انه رجع ايا كان السبب انا اكيد مبسوط من قراره و من كلامه اللي سمعته منه.
-و انت متاكد من كلامه يا عز ؟ ده انت اكبر شكاك في الدنيا ! صدقته بسهولة ؟؟
– اه.
أجاب بقوة ثم تابع في ثقة:
-مصدقه .. النظرة إللي شفتها في عينيه مألوفة ليا جدا .. شفت جواه غضب و ندم شفت كسرة في عينه عمري ما شفتها فيه قبل كده .. بالنسبة لي يا خالد عمر خلاص كبر .. بقي راجل من انهاردة.
-بس كده مش كويس يا عز .. ماتزرعش فيه العقد اللي فيك مع احترامي يعني .. بالطريقة دي حياتكوا انتوا الاتنين هتقف و الامبراطورية اللي حواليك دي كلها اللي بناها ابوك في سنين و اللي ورثتها انت من بعده و كنت حريص عليها هتتهد بدل ما تلاقي اللي يكبرها اكتر و اكتر.
-محدش عارف بكرة فيه ايه يا خالد.
أجاب”عز الدين”ببساطة فأبتسم”خالد”بخفة ثم صاح فجأة:
-صحيح يا عز كنت عايزك في موضوع.
-خير موضوع ايه ؟؟
سأله”عز الدين”بإصغاء بالغ فأجابه:
-انا شايف ان عبير بقالها فترة احوالها مش مظبوطة.
-مش فاهم قصدك ايه ؟؟
-قصدي انها ممكن تكون مكتئبة مثلا .. انت مش شايف منظرها بقي عامل ازاي ! مش هي دي عبير حتي طريقة لبسها اتغيرت حاسس انها عايشة حالة مش مظبوطة حاسس انها مخنوقة.
همهم”عز الدين”موافقا ثم قال:
-انا بردو حاسس بكده .. و حاولت اتكلم معاها يمكن تحكيلي اي حاجة او تطلع اللي جواها بس كل ما كنت بسألها كانت بتقولي ظروف الامتحانات و المذاكرة.
-طيب انا مش حابب اشوفها في الحالة دي يا عز.
-يعني ايه ؟ عايز تقول ايه يعني ؟؟
-عايز اقول ايه رايك لو نقدم ميعاد الفرح ؟ هي هتخلص امتحانات اخر الشهر ايه رايك لو نعمل الفرح اول الشهر الجاي ؟؟
-اول الشهر ! هتاخدها من الدار للنار كده علطول دي لسا هتكون يدوب خارحة من الامتحانات و من ضغط كبير.
– طيب في نص الشهر يا عز !
صمت”عز الدين” لبرهة و كأنه يفكر بالأمر ثم رمقه بنظرة ثاقبة و قال:
-ماشي .. موافق .. بس ماتجبلهاش سيرة دلوقتي استني قرب ما تخلص امتحاناتها.
إكتسي وجه” خالد” بفرحة عارمة ثم أومأ رأسه قائلا:
-حاضر يا سيدي .. مش هقولها دلوقتي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *