حتى لا اقتل بسمه تمردك ٤ مريم غريب

********************************************************************

أمضت”عبير”أسبوع حافل بمنزل زوجها ، فقد بذلت جهدا غير عاديا ، حيث تعلمت كافة الأشغال المنزلية من طهو و تنظيف و غير ذلك ، و رغم أن طعامها المحترق كاد يفقد”خالد”شهيته تجاه جميع أصناف المأكولات ، إلا أنه وجد لذة مختلفة فيه جعلته يلتهمه بشراهة غير آبه بطعمه ، بينما إمتنعت”عبير”بشدة عن تذوق لقمة واحدة من طعامها العجيب ، بل إكتفت بتناول الوجبات السريعة ، علي الجانب الأخر ، كانت تشعر بالكبت و الضيق في صدرها ، فهي تريد أشياء كثيرة من زوجها بدون أن تعرف طبيعة هذة الأشياء !
و قد تصرف”خالد”معها بأدب طيلة الوقت ، و كان لطيفا إلي أبعد الحدود ، فماذا تريد أكثر من ذلك ؟ .. إكتشفت أن ما يضايقها حقا هو جفائه الغير معتاد بالنسبة إليها ، فهي إعتادت علي”خالد”المحب الحنون الذي كان يتحرق لمجرد رؤيتها فقط ، و الذي كان يهب واقفا في حضرتها إحتراما و محبة ، و لكنه الأن تحول بصورة كبيرة غير مألوفة لها ، باتت تحس أنه أصبح غير شغوفا بها كما كان في السابق ، كما أنه لم يعد يقتنص الفرص كي يودها مثلما كان يفعل دائما ، حيث كان يلثم وجنتها بقبلة عابرة ، و أحيانا يحتضنها بحنان هامسا بأذنها كلمات العشق … شعرت بالحزن الشديد لتحوله الكبير ، رغم أنها تعلم جيدا أن كل ذلك طبيعي و أنها تستحق أن تُعامل بشدة و قسوة حتي تكفر عن ذنبها ، و لكنها بشر علي أي حال و قد تعذبت نفسيا بما فيه الكفاية ، كما أنها في أمس الحاجة إلي العطف و الحنان بعد أن فقدت الإتصال بأخويها ..
عندما عاد من عمله ، كانت قد إنتهت لتوها من تنظيف المنزل ، و كم بدا عليها التعب و الأرق ، لكنها تحاملت علي نفسها و إتجهت إلي المطبخ لتسرع في إعداد وجبة العشاء ، بينما صعد إلي غرفته كي يبدل ملابسه ..
لدي عودته إلي المطبخ رأي أربع سمكات سلمونية مرقطة موضوعة علي طاولة رخامية ، أسرعت”عبير”فورا و إنهمكت في إخراج أحشائها و تنظيفها ، ثم رشتها بالطحين و الملح و مددتها في مقلاة كبيرة مدهونة بالزبد ثم وضعتها علي نار موقدة مباشرة ، قطب”خالد”حاجبيه ذاهلا و تساءل .. من أين تعلمت كل ذلك ؟ .. أصبحت ماهرة في إعداد الطعام ، غير أن الرائحة الزكية تصاعدت شهية ، لم تنتبه”عبير”لوجوده إلا عندما إستدارت لكي تحضر الأطباق ، تشابكت نظراتهما فإبتسمت ببساطة قائلة:
-غيرت بسرعة .. تعالي اقعد بقي الاكل خلاص قرب يخلص.
بعد أن غسلت يديها ، كان”خالد”قد سحب مقعد مرفق بطاولة صغيرة توسطت قاعة المطبخ ، بينما سكبت الأرز في طبقين و وضعت علي الطاولة أبريقا من العصير الطازج ، ثم إندفعت مسرعة نحو الموقد لتنقذ السمك من أزيز المقلاة الحارقة ، ثم وضعته محمرا شهيا علي طبق التقديم و جلست قبالة”خالد”قائلة:
-يلا دوق بقي .. انا متأكدة ان اكلي انهاردة هيعجبك.
أومأ رأسه دون كلام ، ثم بدأ في تناول الطعام ، إلتقم قطعة من لحم السمك فوجد الطعم لذيذا بحق ، فأخذ يأكل بشراهة بالغة ، فهو يعمل و بالتالي لدي عودته إلي المنزل يكون جائعا ، و ما أشهي الطعام حين يكون المرء جائع !
بينما إتسعت إبتسامة”عبير”عندما وجدته يلتهم الطعام بتلك الشهية ، فيما توقف عن إيصال ملعقة الأرز إلي فمه ، ليرفع حاجبيه بحيرة متسائلا:
-ايه .. مابتكليش ليه ؟؟
منحته إبتسامة مترددة ثم قالت:
-هاكل .. هاكل.
ثم أمسكت بملعقتها و بدأت تتناول الطعام بدورها .. ظلت تترقبه و هو يأكل ، إنتظرته حتي فرغ من تناول طعامه ، و قبل أن ينهض و يتركها كعادته سارعت إلي القول:
-خالد !
كاد ينهض لكنه سكن بموضعه ناظرا إليها في تساؤل ، فقالت في توتر:
-كنت .. كنت عايزاك في موضوع.
حدق فيها بتركيز بالغ ، ثم سألها بإصغاء:
-خير موضوع ايه ؟؟
إدردت ريقها بصعوبة ثم قالت بصوت مبحوح:
-عايزة اروح ازور عز الدين و عمر .. ينفع توديني اشوفهم ؟؟
ضغط علي شفتيه بقوة ثم صمت لبرهة و قال:
-اظن من الافضل بلاش تحتكي بيهم دلوقتي.
-بس دول اخواتي و وحشوني اوي.
هتفت واهنة و سرعان ما تجمعت بعيناها الدموع ، و رغم ذلك لم يتأثر”خالد”بل تنهد بعمق ثم قال ناهيا الحديث:
-لازم تعرفي اني اتجوزتك بالسرعة دي عشان ابعدك عنهم و بس .. لو كنتي رجعتي الله اعلم كان ممكن يحصلك ايه ! اخوكي مابيقدرش يتحكم في اعصابه و خصوصا ان غلطتك كبيرة و فكرته بذكريات قديمة طول عمره بيحاول ينساها.
آلمتها عبارته ، فإنقبض صدرها في حزن ، بينما تابع بلا إكتراث:
-لو عايزة ترجعي انا ماعنديش مانع .. بس نصيحتي ليكي بلاش .. علي الاقل دلوقتي ممكن تصبري شوية لحد ما الامور تهدا و بعدين ابقي ارجعي.
لقد تعمد”خالد”أن يظهر هزءه و إزدراءه لها ، إلا أنه لم يتصور أن وقع كلماته سيكون عميقا بنفسها إلي هذا الحد ، إذ أنها أطرقت رأسها بأسي و بدت مفاصل أصابعها شديدة البياض و هي تقبض بيدها علي الملعقة ، أدرك”خالد”أنه أصاب منها وترا حساس مما أراحه و أزعجه في آن معا ، فهو يريدها أن تتعذب و أن تتألم كما عاني هو الأمرين في الأيام السابقة ، و بنفس الوقت ضايقه أن يراها متألمة إلي هذا الحد ، لكنه ض*رب بنداء قلبه و مشاعره عرض الحائط و هب واقفا ، ثم تركها و مضي في سبيله متجها إلي غرفته ، بينما كبتت نشيجها و إنتحبت بصمت .. حتي هو لم يعد يهمه أمرها .. خاطبت نفسها بمرارة .. حتي هو لم يعد يريد وجودها بحياته ، لم يعد يحبها و إنما تزوجها فقط كي يحميها من غضب أخيها ، شعرت “عبير”بالتعاسة و ودت لو ركضت خلفه و توسلت إليه أن يغفر لها و قالت له أن عواطفها المضطربة هي سبب كل ما حدث لها ، و لكن كيف السبيل إلي الحديث معه ؟ ربما لو تحدثت إليه لرمقها بقسوة و إزدراء كما فعل منذ قليل ، إستنشقت”عبير”نفسا عميقا و هدأت نفسها ، ثم نهضت و أمسكت بالأطباق بيدين مرتعشتين و إتجهت إلي الحوض عازمة علي تنظيف الصحون ، كان الألم مستحوذ علي سائر حواسها ،فلم تنتبه إلي خطاها ، فتعثرت قدمها ليسقط أحد الأطباق من يدها و لتدوس بقدمها علي حطامه المكسورة ، فإنغرزت بعضها في جلدها ، فأطلقت صرخة مدوية و سقطت علي الأرض و هي ممسكة بقدمها المجروحة ، راحت تتفحص ما أصابها ، فرأت الدم يتدفق من التمزقات التي شقت جلدها ، و إمتزجت آلام جروحها بشعور الكآبة الذي كانت تكابده ، فأطلقت العنان لدموعها تجري فوق خديها ، إستغرقتها هذه الحالة فغطت عينيها بذراعها ، فلم تلاحظه يتقدم نحوها مهرولا ، و عندما أحست بوجوده تطلعت ببصرها نحوه ثم مسحت بسرعة آثار دموعها عن خديها بظهر يدها كالأطفال ، بينما تطلع إليها في قلق خاول أن يخبئه دون جدوي فسألها:
-ايه اللي حصل ؟ سمعتك بتصرخي ؟!
هزت رأسها بإضطراب ثم قالت و شفتاها ترتجفان بشدة:
-مافيش .. مافيش حاجة.
نظر إليها بتشكك ، ثم جال بنظره في أرجاء المكان حتي وقعت عيناه علي بقع الدم فوق الأرض بجانبها ، فإتسعت عيناه في هلع ، ثم أسرع و جثي علي ركبتيه أمامها رافعا قدمها المجروحة و فخصها ، فقالت واهنة:
-قلتلك مافيش حاجة .. انا كويسة الطبق اتكسر بس و …
-ششش اسكتي.
قاطعها بحزم آمر ، ثم تحرك و حملها علي ذراعيه ، توجه بها نحو غرفتها ، أصبحا أمام باب الغرفة ففنحه راكلا إياه بقدمه ، ثم دلف بها و سار نحو الفراش ليضعها فوقه ..
تركها للحظات ، ثم عاد حاملا صندوق الإسعافات الأولية ، جلس قبالتها ، ثم أولا أمسك بقدمها و راح يخرج منها قطع الزجاج بتمهل ، بينما أخذت تئن بصمت من الألم ، و لكن غمرتها فجأة موجة من الدفء الحالم ، و أحست بأنه لا زال يكن لها بعض المشاعر ، و بخاصة حين طفق يغسل قدمها برقة متناهية بدت متناقضة بشكل لا يصدق مع تصرفه السابق ، بعد ذلك طهر الجروح بسائل معقم ثم جفف قدمها علي مهل ، و لفها بضمادة نظيفة ، طوال الوقت كانت لمساته ناعمة كالمخمل .. حتي إنتهي من إسعافها ، فمددها علي فراشها و غطاها جيدا حتي ذقنها ، فبكت بوهن هامسة:
-شكرا .. و اسفة تعبتك.
حدق بوجوم إلي وجهها ، و إبتسم بسخرية ثم أومأ رأسه ، فلمست”عبير”في نظرته شيء من العذاب ، فيما أخذت تتوسل إليه و قد بح صوتها:
-عايزة اشوف اخواتي .. ارجوك.
تنهد بثقل ثم أغمض عينيه بقوة و هو يصارع مشاعره المتأججة في صدره ، ثم عاد ينظر إليها .. تأثر بدموعها هذه المرة ، فمد يده و ربت علي وجنتها بلطف قائلا:
-حاضر .. حاضر يا عبير.
إبتسمت حين سمعته يطمئنها فأغمضت عينيها لا شعوريا و إستغرقت في نوم هادئ و هي تشعر بشعور مريح و”خالد”يربت علي وجنتها ثم ينحني ليضع قبلة علي جبهتها … !

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *