حتى لا اقتل بسمه تمردك ١ مريم غريب

*******************************************************************

كانت تقف إلي جانبه ، تراقبه و هو جالس وراء مكتبه منكبا علي بعض الأوراق يتصفحها بتركيز بالغ و كم بدا جذاب ، حتي إنتهي تماما فرفع بصره عن الأوراق واضعا كفيه علي وجهه بتعب ثم أستند بظهره إلي مقعده و قد بدا مرهق منهك القوي ..
تطلعت إليه”داليا”بإشفاق ثم قالت:
-انت اجهدت نفسك اوي في الشغل اليومين دول يافندم.
ثم تابعت متسائلة:
-تحب اعملك قهوة ؟؟
وجه نظره إليها ثم قطب حاجبيه بشكل جذاب أقلق”داليا”فيما رف جانب فمه بإستسلام فعبرت تلك الحركة عن ضيق صدره الواسع فقال:
-ماشي.
منحته”داليا”إبتسامة رقيقة ثم إتجهت نحو ذاك الركن المنفرد بحجرة المكتب و الذي يحتوي علي طالولة و براد صغير ، أمسكت”داليا”بالإبريق الذي ملأته للتو ثم أوصلته بالكهرباء:
-مبسوطة في الشغل معايا يا داليا ؟؟
كان هذا صوت”عز الدين”الذي وجدته فجأة يقف خلفها ، شهقت بإضطراب جراء المفاجأة ثم أجابته باسمة:
-اه يافندم طبعا مبسوطة.
-و ياتري كونتي صداقات هنا بقي ؟؟
طغت السخرية علي صوته و ألهبت نظراته وجنتها فقالت:
-ايوه طبعا .. الناس اللي هنا كلهم كويسين و تقريبا كلهم اصدقائي !
-ممم .. طب يا تري مافيش صداقات خاصة بقي ؟؟
-انا مش فاهمة حضرتك تقصد ايه ؟؟
غمغمت و هي مدركة تماما لقصده بينما هز كتفيه بلا إكتراث قائلا:
-انا ماقصدش اتدخل في حياتك الخاصة لكن مجرد فضول مش اكتر .. اصل بصراحة شخصيتك محيراني شوية بمعني اوضح شداني.
رمشت بحيرة و رمقته بإرتباك و شك ، فرأته يبتسم و يمعن في جرأته ، إنها حتما أقدم لعب الإصطياد في العالم !
فسرت الأمر بأنها فتاة بسيطة من الطبقة المتوسطة ذات عادات و تقاليد صارمة أثارت إهتمامه فأراد التودد لها كي بنال منها مآربه و إلا لماذا يهبط رجل مثله لمستوي منخض كهذا ؟
-بيتهيئلي ان مشاعرك باردة شوية يا داليا ؟!
قال ذلك متسائلا فتوردت وجنتاها ثم عضت علي شفتها قائلة:
-باردة ازاي يعني مش فاهمة !
-لأ انتي فاهمة كويس.
قال ذلك ثم تأملها بخبث و قال:
-انا ممكن اعرف بنفسي اذا كنتي باردة و لا لأ لكن جايز اسلوبي مايعجبكيش.
إزداد محياها إشتعلا و تأكدت من نواياه تماما فأشاحت بوجهه عنه و قالت:
-اعتقد ان ده مكان شغل حضرتك و مايصحش ابدا الكلام في الامور دي هنا او في اي مكان تاني .. مايصحش.
-ليه يا داليا ؟ بتخافي ؟؟
عاد يسخر مرة أخري و هو يتفرص فيها بعينين وقحتين ، كانت متوقعة أنها حظت بالقليل من إحترامه و لكنها كانت مخطئة ، فسوف يبقي هو كما هو لن يتغير أبدا ..
فكرت أن تغادر مكتبه الأن يكفيها ذلك ، و لكنه وقف أمامها مباشرة يسد عليها الطريق و كأنه حزر رغبتها في الهرب ثم قال بتكاسل:
-شخصيتك .. شخصيتك يا داليا هي اللي حيرتني فيكي و شدتني ليكي .. اول حاجة رفضتي المبلغ اللي قدمتهولك لما جيتي عشان تشتغلي .. و تاني حاجة تصرفاتك .. تصرفاتك لما كنتي عندي في البيت و تحديدا .. في اوضتي.
أخذت تبتعد عنه فقبض علي خصرها و قهقه عاليا ثم قال:
-مش عارف انتي فيكي ايه ! بصراحة غريبة عليا جدا مش عارف اذا كنتي بتصطنعي البراءة و لا ذكية جدا و لا بتخططي لـ ايه مش عارف بجد مش عارف .. ماتقوليلي يا داليا انتي ايه في دول بالظبط ؟!
-انا و لا حاجة من اللي حضرتك قلت عليهم انا مجرد موظفة بحاول اشتغل بجهد و اخلاص و امانة .. و بس.
هتفت بغضب عاجز و هي تحاول الإفلات من أصابعه القاسية بينما قال:
-و لو انك نسيتي تضيفي حاجات تانية بس مش مشكلة .. كله هيبان مع الايام.
توقفت عن المقاومة إذ شعرت بضعفها أمام قوته إلي جانب شعورها بأنه كان مستلذا بمقاومتها ، مؤكد ذلك فلابد أنه لم يلقي مقاومة من أي إمرأة تعرف إليها في حياته و بالنسبة له هي نوع جديد و هوإشتاق للهو ..
لكنها تملصت بعنف شديد من قبضته ثم قالت محاولة الدفاع عن هشاشتها:
-لو سمحت .. سيبني يافندم .. مايصحش كده.
لم يآبه بتوسلاتها بل إحتجزها فجأة بين الحائط و ببنه فأعتراها إرتجاف أرخي مفاصلها ثم ردد و عيناه تفترشان محياها الشاحب:
-اظن دلوقتي انا لازم اعرف اذا كانت مشاعرك باردة و لالأ.
كانت”داليا”تننفس بعمق عندما ضمها”عز الدين”بقسوة و غيبها في عناق طويل ، حاولت أن تحافظ علي تقلص جسدها لكن دون جدوي ، تسربت قوتها بشكل أذهلها أي سحر ذاك الذي جعلها مستكينة بأحضانه هكذا ؟ و كأنها مصممة علي بعثرة بقايا مقاومتها فيما إرتفعت يداها تحاولان دفعه عنها فلم تصلا إلي أبعد من صدره حيث بدد ملمس عضلات صدره القوية كل صمود و تعقل ، دمعت عيناها لضعفها هذا، فبدأت تتنفس بثقل و أحست بما تملكه يده من خبرة في منعطفات الإثارة ، ثم فجأة أفاقت من غفوتها و عادت إلي رشدها حيث إستجمعت قواها و دفعته عنها بعنف جاهدة في التخلص منه ، و لوهلة رفض إطلاق سراحها ثم أفلتها فتراجعت إلي الوراء بسرعة و إستدارت بعيدا فشعرت فجأة بيديه القويتين تقبضان علي ذراعيها و تديرانها نحوه:
-محدش بيدور ضهره ليا.
غمغم بعنف ثم تابع:
-و خصوصا الستات.
إرتعشت بفعل قبضته الفولاذية و نظراته الغاضبة بينما قال متهكما:
-و بالأخص بردو الستات اللي زيك.
لمعت عيناها كالنار فلم تشعر بنفسها إلا حين رفعت يدها و سددت له صفعة مدوية سمعت دويها في أذنيها عاليا ..
بقيا صامتين كتمثالين ، وجه”داليا”مكفهر و ملوت و وجه”عز الدين”واضح خال من التعابير .. و في وسط كل ذلك تصاعد رنين هاتفها فإتجهت سريعا إلي حقيبتها و أخرجته لتجد المتصل شقيقتها فأجابت بصوت مرتجف دامعة العينين:
-ايوه يا ياسمين.
ثم هتفت في صدمة:
-ايه ؟ بتقولي ايه ؟؟
و لأول مرة في حياتها سقطت مغشيا عليها … !!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *