حتى لا اقتل بسمه تمردك ٣ مريم غريب

*******************************************************************

لقد أصبحت زوجته أخيرا ، منذ أن رافقته هذا الصباح إلي مكتب المأذون الشرعي و قد تم كل شيء بسرعة فائقة كما أراد ، ما زالت لا تصدق بأنها وقعت حقا علي وثيقة زواجهما ، مازالت لا تصدق بأنها باتت زوجته أساسا !
أخذت”داليا”تتذكر ما حدث باليوم الماضي بينما كانت تقف أمام نافذة الغرفة التابعة لشقة”أيمن”و التي نزلت فيها ضيفة هي و شقيقتها لفترة مؤقتة ..
لقد كانت”ياسمين”ثائرة و قلقة للغاية حين عادت من الجامعة و إكتشفت غياب أختها ، غير أنها ظلت تحاول الإتصال بها دون فائدة فإستبد بها القلق و أصرت علي إنتظارها بالشارع أمام منزل”أيمن” .. ليزداد غضبها و حنقها أضعاف مضعفة عندما رأتها تترجل من سيارة”عز الدين” ، تشاجرا في البداية و لكن حينما أعلنت”داليا”قبولها الزواج من”عز الدين”هدأت ، هدأت لدهشتها فقط ، ثم تداركت الأمر فيما بعد ، و لكن ما أن أطلعتها”داليا”علي كافة التفاصيل حتي عادت تثور من جديد لأمر الزفاف ، تذكرت”داليا”قول شقيقتها حينذاك”يعني ايه تتجوزي بالطريقة دي ؟ ازاي توافقي علي كده ؟ انتي بسهولة كده سلمتيله و قولتي حاضر علي كل حاجة ! لحد امتي هتفضلي ضعيفة و ماعندكيش شخصية ؟ ” !
أفاقت”داليا”من شرودها و قد شعرت بألم طفيف جراء كلمات شقيقتها اللاذعة و لكنها أقرت و الأسي يملأ قلبها بصدق قولها ، فهي تعلم جيدا مدي ضعفها و هشاشتها و لكن هذا أمر لطالما حاولت إصلاحه بنفسها مرارا و لكنها فشلت .. تنهدت بثقل ثم هزت رأسها عابسة و توجهت نحو الفراش البسيط حيث ذلك الفستان مُلقي عليه ، إبتسمت فجأة عندما تذكرت وجه شقيقتها العابس حين دلفت إليها هذا الصباح و أعطتها إياه قائلة”قلت مش هقدر اشوف اختي بتتجوز منغير فرح و منغير فستان كمان .. فنزلت اشتريتلك ده .. مبروك” ..
إزدادت إبتسامة”داليا”إتساعا ثم تنهدت و أمسكت بالفستان ، نظرت إلي ساعة الحائط فوجدتها السابعة و النصف مساءً ،سرت رعشة خفيفة بأوصالها كلما شعرت بإقتراب اللحظة الموعودة ، اللحظة التي لطالما تمنتها و خشتها بنفس الوقت ، حاولت أن تخفف من حدة توترها فبدأت بتجهيز نفسها ، كان قد إغتسلت منذ قليل ، و قد تطوعت شقيقتها أيضا و صففت لها شعرها ، فيما وقفت هي أمام المرآة الكبيرة و نزعت ثوبها القطني الرقيق ، ثم إرتدت فستانها الأبيض البسيط الذي إمتاز بالرقة و الأناقة ، بدا رائعا علي بشرتها البيضاء الناعمة ، و قد إلتف حولها ملفتا النظر إلي جمال و تناسق جسدها النحيل مبرزا منحنياتها و مرتفاعتها ، كان أيضا محتشما بشكل خادع ، فالذراعين و أعلي الصدر و الظهر كاملا كان مغطي بالدانتيل الشفاف المطرز بنعومة ،
وضعت”داليا”قليلا من مساحيق التجميل علي وجهها فيما زينت عنقها بعقد زواج والدتها الذي ورثته عنها كما زينت أذنيها بالقرط التابع للعقد و الذي تدلي ملفتا النظر إلي عنقها الطويل المثير ، ثم أعادت تصفيف شعرها بتأن ، حيث جعلت خصلاته الحريرية متموجة محيطة بوجهها في إثارة ، بدت مثيرة إلي أقصي حد ، بل جميلة ..
في تلك اللحظة دلفت شقيقتها إلي الغرفة من دون إستإذان ، ثم تقدمت صوبها ببطء و عيناها تلمعان و لم تستطع منع إبتسامتها فقالت:
-ما شاء الله .. ايه الجمال ده كله يا ست دودو ؟؟
إبتسمت”داليا”بخفة ثم سألتها:
-بجد حلوة ؟؟
-حلوة ! يابنتي انتي عديتي المرحلة دي ما تبصي لنفسك.
فيما تأملتها”داليا”بتفخص بالغ ، لقد صففت شعرها بعناية و عقصته برقة و نعومة إلي الخلف مبدية معالم وجهها الرقيقة التي أضافت إليها قليلا من مساحيق التجميل خاشية تشويه جمالها الطبيعي ، و ثوبها الرقيق أيضا الذي أحاط بجسدها النحيل و أضفي عليها أنوثة أكيدة ، لونه أحمر قان و نادرا ما إرتدت”ياسمين”هذا اللون ، و لكن حتما هي فاتنة بثوبها الأنيق و جهها الرقيق … :
-انتي اشتريتي الفستان ده انهاردة بردو ؟؟
سألتها”داليا”فأومأت رأسها باسمة ثم قالت بهدوء:
-مبروك يا داليا .. و لو اني مش راضية عن حاجات كتير في الجوازة دي .. بس اهم حاحة اني اشوفك مبسوطة .. و انا حاسة و شايفة انك بتحبيه .. مبروك يا دودو.
إبتسمت”داليا”بحرارة ثم عانقت شقيقتها التي صاحت منبهة:
-حسبي يا ستي مش وقت احضان مكياجك يبوظ.
قهقهت”داليا”بخفة من إسلوب شقيقتها ، بينما تصاعد رنين هاتفهها لتجد إسمه يملأ شاشة الهاتف الصغيرة ، حبست أنفاسها ثم أجابت بتوتر:
-الو !
-انا قدام باب البيت .. ياتري جهزتي ؟؟
أصابتها رعشان متتالية عندما أتاها صوته العميق فيما أجابته متعلثمة:
-أ ااه .. ايوه جاهزة .. دقيقة مش هتأخر.
ثم أغلقت الخط و نظرت إلي شقيقتها قائلة:
-يلا يا ياسمين.
-وصل ؟؟
سألتها”ياسمين”فأومأت رأسها متوترة ثم قالت:
-يلا بقي عشان منتأخرش عليه .. حضرتي الشنط و كل حاجة ؟؟
أجابتها بوجوم:
-اه.
-طب يلا.
ثم خرجا معا من الغرفة ، ليجدا”أيمن”و السيدة”سوسن”يقفان بالردهة المؤدية إلي باب المنزل و الإبتسامة تعلو وجهيهما ، بادلتهم”داليا”بمثل البسمة الودودة ثم شكرتهما بحرارة لإستضافتهم الكريمة لها و شقيقتها ، بينما تبادلت”ياسمين”بعض الكلمات مع”أيمن”ثم ودعته و رحلت برفقة شقيقتها ..
علي الجانب الأخر عندما ظهرتا أمامه ، كان واقفا أمام سيارته الفارهة اللامعة و كم بدا وسيما في حلته السوداء الأنيقة التي مثلت قسوته الظاهرة ، فيما تركزت عيناه علي”داليا”التي بادلته النظرات بدورها ، تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل و هي تري عيناه تمسحان جسدها ببطء شديد بدءً من رأسها حتي أخمص قدميها ، إلي أن إقتربت منه
فأجفلت بإستيحاء بينما إكتفي بهزة من رأسه و بتحيتها هي و شقيقتها ..
تطلعت إليه في دهشة بالغة ، توقعت أن يمتدحها ، أو أن يعلق علي مظهرها و لكن خابت ظنونها تماما حين تصرف ببرود و فتح لها الباب الأمامي للسيارة داعيا إياها بالدخول كما فعل مع شقيقتها حيث دعاها للجلوس بالمقعد الخلفي ، ثم إستقل السيارة بدوره جالسا بكرسي القيادة و أدار المحرك مطلقا العنان لسيارته السريعة ..
طال الطريق لساعات قليلة نظرا لموقع بيته القريب من الطرق الصحراوية ، بينما كان القلق و التوتر يعصفان بنفس”داليا”كلما إختلست النظر إليه و هو يقود في هدوء و جمود … توقفت السيارة أخيرا أمام بوابتا القصر الخرافي اللتين توسطتهما أسوارا ضخمة تحيط بمساحة كبيرة ..
أعطي”عز الدين”إشارة إلي الحارس الذي أسرع بفتح البوابة و هو يلقي التحية بحرارة و إحترام مع نظرات فضولية نحو تلك المرأة الجالسة إلي جوار رب عمله ، دخل”عز الدين”بالسيارة عبر البوابة الكبيرة ، ثم أكمل طريقه علي وتيرة هادئة ، لم تذهل”داليا”كثيرا لجمال القصر بإعتبارها زارته من قبل ، بينما إتسعت عينا”ياسمين”و هي تتأمل بإعحاب المساحة المحيطة بالسيارة ، كان المكان أشبه بالجنة بالنسبة لها و قد تزاحمت به الأشجارذات الطول الفارع و أيضا أحواض الزهور التي ملأت الحديقة الشاسعة بعبق منعش ناعم ..
فكرت”ياسمين”أنه من الواضح أن مالك ذلك القصر قد أنفق عليه ببذخ كبير إذ أن الترف ينطق من كل زاوية فيه ، من كل قطعة حجر أعمدته .. توقفت السيارة أخيرا وسط ساحة المنزل ذا البناية الضخمة هولندية الطراز ، فترجل”عز الدين”منها اولا ثم إستدار كي يساعد”داليا”علي الخروج ، بينما خرجت”ياسمين”بمساعدة نفسها دون أن تفيق من ذهولها و إعحابها بالمكان .. :
-اتمني البيت يكون عحبكوا.
هتف”عز الدين”بصوته العميق ثم تابع:
-ده بقي بيتكوا من انهاردة.
رمقته”داليا”بنظرة غريبة جمعت فيها مشاعر كثيرة أربكتها و زادت من توترها بينما طلب منهن أن يتبعوه ..
تحت دعائم الحجارة المنحوتة ، فجأة برز بعض الخدم الذين إرتدوا بذلة العمل البيضاء ، و قد إصطفوا إلي جانب بعضهم بداية من أسفل الدرحات القليلة المؤدية إلي باب المنزل و حتي إلي الداخل ، إنحنوا أمام”عز الدين”و رفيقتاه في إحترام ، ببنما إثنان منهم ذهبا ليحملا الحقائب من السيارة ، أما الثالث الذي كان وجهه الأسمر يميزه عن الباقين بقي يتحدث بخفوت إلي”عز الدين”الذي كان يعطيه الأوامر في هدوء حازم حتي إنسحب سريعا تبعا للتعليمات التي تلقاها ..
فيما دعا”عز الدين”الشقيقتين إلي الدخول و هو بلفظ بإيجاز الكلمات التقليدية المرحبة ، عبروا الردهة المؤدية إلي باب المنزل ثم تتبعوا خطوات”عز الدين”الواسعة التي قادتهم إلي قاعة الجلوس الفخمة ذات الأثاث العاجي القاتم و الأضواء الذهبية المشعة ، شعرت”داليا”بقلقها يزداد و كأنها مقبلة علي معركة ، بينما ظهر”خالد”فجأة حيث هرول إليهم سريعا قائلا بإبتسامة لطيفة:
-اهلا .. وصلتوا اخيرا.
ثم أخذ ينقل نظراته بين”داليا”و”عز الدين”قائلا:
-مبروك يا داليا .. مبروك يا عز.
إبتسمت”داليا”في خجل بينما هتف”عز الدين”عابسا:
-انت كنت فين ؟؟
أجابه”خالد”بهدوء:
-انا هنا من بدري يا عز ماتنقلتش في حتة بس كنت بتمم علي شوية حاجات.
أوما”عز الدين”رأسه متفهما ثم تابع سؤاله:
-و فين عمر و عبير ؟ مش شايفهم يعني !!
توتر”خالد”قليلا لكنه أحابه في ثبات:
-عبير راحت مشوار صغير كده مع واحدة صاحبتها و عمر خرج من الصبح هو ماقاليش هو فين لما كلمته من شوية بس قالي انه في الطريق و مش هيتأخر.
تنهد”عز الدين”في حدة فيما تقلصت عضلات وجهه بغضب فقال:
-هما يعني مش عارفين في ايه انهاردة و ايه اللي هيحصل ؟ ازاي يتصرفوا بالشكل ده ؟؟
-اهدا يا عز زمانهم جايين.
هدئه”خالد”قليلا بينما جذب فجأة إنتباههم ذلك الضجيج البسيط الذي أحدثته”عبير”و صديقتها ..
دقق”عز الدين”بنظره نحو شقيقته فإتسعت عيناه في وجل عندما شاهدها تستند بوهن إلي صديقتها ، كان”خالد”أسرع منه إذ أنه إقترب منها بسرعة البرق قائلا:
-عبير ! ايه ده مالك ؟ حصلك ايه ؟؟
تطلعت”عبير”بخوف إلي عيني”خالد”و شقيقها ، ثم حبست أنفاسها و لكنها تمكنت أن تقول بثبات:
-انا كويسة يا خالد .. مافيش حاجة.
-مافيش حاجة ازاي ؟؟
هتف”عز الدين”بقوة ثم قال:
-راجعة البيت في الحالة دي و بتقولي كويسة و مافيش حاجة ! اتكلمي و قولي ايه اللي حصلك ؟؟
ضغطت”عبير”علي يد صديقتها و كأنها تستجديها بإنقاذ الموقف فسارعت”ريم”إلي القول:
-يا جماعة مافيش داعي للقلق ده هي فعلا كويسة و مافيهاش حاجة .. احنا بس عملنا حادثة صغيرة بالعربية عشان كده هي مخضوضة شوية مش اكتر.
ثباتها بالكلام أقنعهم ، بينما إجتاز”خالد”المسافة القصيرة التي فصلته عن”عبير”ثم مد يده و مسح علي شعرها بحنان قائلا:
-خلاص يا حبيبتي جت سليمة .. اهدي بس دلوقتي عشان اعصابك ماتتوترش زيادة.
-انا هوصلها لاوضتها عشان ترتاح شوية.
قالت”ريم”ذلك بينما نظرت”عبير”إلي شقيقها بأسف قائلة:
-معلش يا عز سامحني مش هقدر استني معاكوا.
ثم حولت نظرها إلي”داليا”التي كانت تقف خلف”عز الدين”مباشرة تتابع ما يحدث أمامها في صمت ثم إبتسمت بشحوب قائلة:
-انتي اكيد داليا صح ؟؟
إبتسمت”داليا”في هدوء ثم أومأت رأسها مرتبكة فتابعت”عبير”باسمة:
-مبروك.
-يلا يا عبير.
هتفت”ريم”منبهة ، فهزت”عبير”رأسها ثم إستندت إليها و فيما كانت تعدو بمحازاة”ياسمين”التي تنشقت رائحتها فهتفت قائلة:
-ايه ده انتي ريحتك كلها بينج ! انتي كنتي في المستشفي و لا ايه ؟؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *