حتى لا اقتل بسمه تمردك ٣ مريم غريب

*******************************************************************
في الصباح التالي ، إستيقظت”ياسمين”علي فراشها العريض المظلل ، و بصعوبة إستطاعت أن تنزع نفسها من الدفء المغري و الإرتياح الغامر اللذين شعرت بهما في موضع نومها ، ثم نهضت و توجهت إلي الباب الزجاجي الذي يطل علي الشرفة ففتحته و راحت تتأمل بسحر المنظر من أمامها ، حيث حديقة القصر الخضراء بأشجارها و أزهارها ، و خاصة تلك الأزهار البيضاء التي عبقت المكان بشدة ، لم يسبق أن رأت أزهار بهذا الجمال الكامل ، و لا أن تنشقت عطرا لذيذا كهذا ، فأغمضت عينيها و تنفست بقوة مرات عديدة لتملأ رئتيها بالنسيم المنعش و برائحة الزهور الغنية العطرة .. مرت بضع دقائق قبل أن تلاحظ أن رائحة مزعجة إختلطت برائحة الزهور ، إنها رائحة تبغ محترق !
نظرت إلي جانبها فرأته يقف بالشرفة المجاورة لشرفتها يدخن إحدي سكائره ، و قد لاحظت بإنه كان يراقبها منذ فترة ، بينما إنفرج ثغره بإبتسامة خفيفة و هو يمعن النظر فيها إلي أن حياها قائلا:
-صباح الخير يا دكتورة .. ايه مافيش مستشفي و لا كلية انهاردة و لا ايه ؟؟
رمقته بهدوء ساخر ثم قالت:
-صباح الخير يا استاذ .. و جمعة مباركة انهاردة اجازة.
ض*رب جبينه بباطن كفه قائلا:
-اه صحيح .. انهاردة الجمعة .. معلش اسف.
و عاد ينظر إليها ثم قال بإبتسامة مرحة:
-بقولك ايه يا دكتورة .. ايه رأيك لو نعقد هدنة بينا ؟؟
رفعت أحد حاجبيها قائلة:
-مش فاهمة .. قصدك ايه ؟؟
-قصدي خير و الله .. بصي انا عارف اني بني ادم سافل و مش متربي.
-عظيم كويس انك عارف ده غير ان الاعتراف بالحق فضيلة.
صر علي أسنانه بحدة خفيفة ثم عاد يقول بنبرة هادئة:
-انا بقول يعني بما اننا بقينا عايشين تحت سقف واحد يبقي لازم نصفي كل الخلافات اللي بينا و نبدأ صفحة جديدة.
قطبت حاجبيها و هي ترمقه بشك ، لكنها إبتسمت فجأة ثم قالت ببساطة:
-من قلبي بتمني فعلا اننا نبدأ صفحة جديدة .. بس ياريت تفتكر كلامك ده باستمرار و ماترجعش تتصرف بقلة احترام.
ضحك بخفة ثم قال:
-اوعدك اني مش هخيب ظنك يا دكتورة.
بينما جلجلت بداخله تلك الضحكة الخبيثة … !

*******************************************************************
بعد أن أخذت حماما كاملا ، إتجهت صوب الخزانة الكبيرة ، ثم راحت تفكر بما سترتديه ، لو لم تكن زوجة”عز الدين نصار”الأن لأرتدت سروالا و قميصا عاديا كعادتها ، لكن في قصر زوجها العزيز ، تبدو هذه الملابس غير لائقة ، و لكنها إختارت ذلك الثوب الوردي القصير الذي إشترته منذ عدة أعوام و لم تجربه يوما ، أمسكت به في تردد و فكرت .. هل ترتديه أم لا ؟ .. فهو كان قصير بعض الشيء ، بحيث يصل إلي ركبتيها علي الأقل ، غير أنه عاري الكتفين يتمتع بالضيق الشديد أيضا ، ودت لو تعيده إلي مكانه و لكن ما من إختيارات أمامها ، جميع ملابسها مهترئة لا تناسب مكانة زوجها الحياتية أو الإجتماعية حتي ..
إرتدت الثوب القطني الرقيق الذي أظهر نحافة و جمال ساقيها الرشيقتين ، و إنتعلت صندلا من الفلين ثم جلست أمام منضدة الزينة تمشط شعرها ، فتركته ينسدل بحرية علي كتفيها و خلف ظهرها ، ثم وضعت في عنقها سلسلة ذهبية كانت لوالدتها و زينت وجهها أيضا بقليل من مساحيق التجميل البسيطة ، و قبل أن تغادر الغرفة ألقت نظرة فاحصة علي نفسها بالمرآة الكبيرة ، إن أرادت هي أن تدفعه الثمن كما أقسمت ، فعليها بأن تتسلح بأقوي أسلحتها .. جسدها ، جسدها هو العامل المؤثر الذي سوف يخضعه و لكن مع قليل من الحذر ، فهو حاد الذكاء و ليس من السهل إطلاقا أن يتلاعب به أحدهم !
إستدارت أخيرا و خرجت من الغرفة ، ثم هبطت إلي الطابق الأرضي سالكة سلالم الرخام مستندة إلي الدرابزين الحديدي المصقول الذي يشكل تحفة فنية صغيرة ..
راحت”داليا”تسمع صوت خطواتها علي الأدراج و حفيف ثوبها فوق ساقيها الناعمتين ، ثم إقتربت ببطء من البهو و هي تعي كل الروائع المحيطة بها .. كانت تبحث عنه هنا و هناك في هدوء شديد ، فاليوم عطلته و هو علي حد علمها يقضي يوم العطلة بالمنزل ، و كما توقعت عثرت عليه بحجرة المكتب حيث كان جالسا وراء مكتبه منكبا علي بعض الأوراق ، فلم يرفع رأسه لتوه ، بل مرت لحظة مشحونة بالتوتر قبل أن تتنحنح لتنبهه لوجودها ، فرفع رأسه عابسا و رأته ينظر إلي قامتها المتوسطة بعينين متفحصتين:
-صباح الخير.
هتفت”داليا”بثبات متوتر ، بينما إكتفي بهزة من رأسه ثم قال بهدوء آمر:
-تعالي .. تعالي يا داليا.
وقفت لحظة جامدة أمام مصراعي الباب و عيناها تحدقان في النوافذ العالية و الأبواب الزجاجية التي تطل علي ساحة القصر ، جميع المنافذ مقفلة و لا مجال للهرب منه ، فيما أطاعته بصمت حيث تقدمت صوبه بآلية ..
حجرة المكتب مريحة و مليئة بالكتب المرصوصة علي رفوف عريضة و سبق أن زارتها”داليا”مرة في الأيام السابقة .. قرب النافذة يقع مكتبه الخشبي الوثير الذي إعتلته بعض المستندات و الأوراق المختلفة ، كراسي و مقاعد جلدية كملت أثاث الحجرة أيضا .. :
-انا توقعت وجود حضرتك هنا بما ان انهاردة يوم الاجازة.
قالت”داليا”ذلك و هي تجلس في أحد المقاعد الجلدية الواقعة قرب مكتبه ، بينما رفع أحد حاجبيه متنهدا ثم قال متجاهلا تحفظها الرسمي معه:
-حبيت اخلص شوية حاجات مهمة قبل بليل.
ثم صمت قليلا و أخذ يحدق فيها بهدوء قائلا:
-انهاردة مش عايزك تسيبي اوضتنا خالص .. ماتخرجيش منها لاي سبب من الاسباب .. فهماني ؟؟
تطلعت إليه في دهشة عارمة ثم سألته:
-ليه ؟ ايه اللي هيحصل انهاردة ؟؟
-فاكرة مناقصة المراكب اللي دخلنا فيها؟؟
أومأت رأسها شاردة و هي تتذكر التفاصيل ، ثم عادت تحدق فيه قائلة:
-اه فاكرة.
ثم سألته باسمة:
-ايه رسيت علينا ؟؟
إبتسم بدوره ثم أومأ رأسه قائلا:
-ايوه .. رسيت علينا.
أطلقت ضحكة قصيرة ثم قالت مبتهجة:
-هايل .. هايل جدا .. حضرتك كنت مستني الخبر ده من فترة .. مبروك.
هز رأسه في هدوء ثم قال:
-عشان كده بقي انا قلت لازم احتفل بالمناسبة دي مع العملا و الموظفين يعني الليلة دي في حفلة كبيرة هنا في القصر .. و مش عايزك تظهري نهائي.
أومأت رأسها موافقة ، بينما قطع حديثهما مجئ أحد الخدم:
-عز الدين بيه .. مهندس الاضاءة وصل.
نظر”عز الدين”إلي الحارس قائلا:
-طيب شوفوه يشرب ايه و انا جاي حالا.
أطاعه الحارس بتهذيب ثم إنسخب فجأة كما آتي خلسة ، بينما أغلق”عز الدين”ذلك المستند الذي كان يتصفحه ثم نهض من خلف مكتبه قائلا:
-زي ما اتفقنا يا داليا .. مش عايزك تخرجي من الاوضة خالص انهاردة.
ثم غادر المكتب مسرعا ، بينما شردت هي و أخذت تحلل كلامه .. لماذا لم يدعوها إلي حضور الحفلة برفقته ؟ أليست زوجته الأن ؟ لماذا يريد إخفاءها عن الناس ؟
ثم فجأة أطلق هاتفهه الملقي علي المكتب نغمة صاخبة قصيرة معلنا عن وصول رسالة جديدة ، لوهلة ترددت عن الإقبال علي تلك الخطوة و لكنها أجبرت نفسها بدافع الفضول فتناولت الهاتف بسرعة ثم فتحت الرسالة ، فإذا هي من”جومانة خطاب” !
قرأت السطور الوجيزة بفتور”كده بردو يا عز .. نسيتني و اتجوزت ؟ بس علي اي حال انت ليا انا بردو ماتفتكرش اننا خلصنا لحد كده يا بيبي .. اشوفك انهاردة بقي” ..
عندما إنتهت من قراءة الرسالة ، بدت و كأنها تلقت صفعة علي وجهها ، حيث تلاحقت أنفاسها و تصاعدت الدماء إلي وجهها .. ثم أخذت تتساءل .. ألهذا السبب لا يريد إعلان خبر زواجه بها ؟ ألهذا السبب رفض إقامة حفل زفاف ؟ .. من أجل عبثه مع النساء ! فعل كل ذلك لهذا السبب ، و لتكون هي نوع جديد من الألعاب و الدمي التي لم يحصل عليها من قبل و لدي حصوله عليها سيحطمها بين يديه المدمرتين !
صرت علي أسنانها بقوة ، و لكنها إتخذت قرارها سريعا ، سوف تتجاوزه هذه المرة ، سوف تعصي أوامره و ليكن ما يكون … !

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *