حتى لا اقتل بسمه تمردك ٣ مريم غريب

الحلقة (15):
تجمدت”عبير”بمكانها و قد شحب وجهها ، فسارعت”ريم”و أجابت عنها قائلة:
-ايوه طبعا روحنا المستشفي .. كان لازم اوديها عشان اطمن عليها بعد ما شوفتها مخضوضة زي ما قلت.
أومأت”ياسمين”رأسها في هدوء و هي ترمقهن بنظرة مبهمة ذات مغزي ، بينما إستئنفت”ريم”سيرها أخذة”عبير”إلي غرفتها ، فيما خيم صمت ثقيل لثوان قليلة قبل أن يقطعه”عز الدين”بصوته العميق حين هتف بإسم إحدي الخادمات ، فحضرت”فاطمة”سريعا:
-امرك يا بيه ؟؟
أجابت”فاطمة”بإحترام فسألها:
-العشا جاهز ؟؟
-ايوه حضرتك .. تؤمر بحاجة تانية ؟؟
هز رأسه نفيا ثم أصرفها بحزم ، فإنسحبت بهدوء ، بينما قاد”عز الدين”الجميع إلي حجرة الطعام حيث تلك المائدة الفخمة التي إصطف عليها أثمن الأواني الفضية و الزجاجية ، و التي تحتوي أيضا ما لذ و طاب من الكلاء و الشراب ..
أثناء تناول العشاء لم تجد”داليا”شهية للطعام ، إذ كانت أفكارها تشغل حيزا كبيرا من كافة حواسها ، غير أن قلقها كان كافٍ جدا بأن يشعرها بعدم الرغبة في تناول أي شيء ، إلا أن إهتمامها كان مركزا علي ذلك الرجل الذي جلس بالقرب منها ، لم يشترك إلا نادرا فقط في الأحاديث الشيقة و المثيرة التي طرحها”خالد”بمرح قاصدا تلطيف الأجواء ، كان أيضا يأكل طعامه بهدوء بالغ ، و قد بدا متحفزا متأهبا و متيقظا لكل حركة ، فيما تألمت”داليا”قليلا و شعرت بالإنزعاج لأنه كان لا ينظر إليها إلا بشكل عابر و كأنها ليست تلك الفتاة التي كان يتحرق للحصول عليها ، و كأنها ليست زوجته ، تحول سحره الذي تتذكره بوضوح إلي برودة مزعجة ، فأشاحت بنظرها عنه و بقيت تعبث في طعامها ،بينما أخضر الخادم الحلويات المغطاة بطبقة سميكة من القشدة الشهية ، فإمتنعت”داليا”حتي عن النظر إليها تجنبا لحساسية صدرها التي قد تمرض بها إذا تناولت و لو القليل من هذه الحلويات ، إلا أن”ياسمين”قبلت الحلويات بصدر رحب ، حيث غرزت ملعقتها في القشدة و الفاكهة اللذيذة ثم راحت تأكل بشهية ، فعلق”خالد”ضاحكا:
-حاجة نادرة و ممتعة اننا نشوف واحدة بنت بتاكل بالشهية دي منغير خوف من زيادة الوزن.
إبتسمت”ياسمين”بخفة ثم قالت ممازحة:
-اي انسان عادي مستحيل يتمالك نفسه قدام حلويات زي دي.
ثم تابعت في هدوء:
-علي اي حال انا مريضة بالغدد الدرقية من و انا طفلة يعني مش ممكن اتخن اوي مهما اكلت.
مضت بقية السهرة علي وتيرة هادئة مرحة ، بفضل مشاركات”خالد”و”ياسمين”لبعض الموضوعات و المواقف الطريفة ، مضت السهرة و لم يأتي”عمر” .. كان يود”عز الدين”إنتظاره لأخر لحظة ، لكنه شعر بالملل و الإنزعاج ، فأهمل أمره ثم وقف فجأة معلنا أن الوقت قد حان للإنفراد بعروسه ..
إنصاع الجميع لأمره ، فإستأذن”خالد”بهدوء و رحل ، كما أن”ياسمين”إصطحبتها”فاطمة”إلي الطابق العلوي تبعا لأوامر”عز الدين”خيث قادتها إلي الغرفة التي خصصت لها ..
بينما وقفت”داليا”قي مواجهة”عز الدين”مطرقة الرأس و هي تشعر بأنها تكاد تسمع ضربات قلبها العنيفة ،فيما مد يده و أمسك بيدها فشعرت بكهرباء تسري بأوصالها جراء لمسة يده ، كانت”داليا”تخشي هذا الرجل بقدر ما تحبه ، لكنها تخشي أكثر ضعفها أمامه ..
عندما وصلا إلي الفرفة تذكرت”داليا”تلك الذكري القصيرة العابرة التي وقعت لها هنا ، إلا أنها بدأت تتأملها بصمت ، لم يغير”عز الدين”فيها الكثير فقط أضاف بعض الأشياء البسيطة التي فطن من خلال معرفته بها بأنها ستعجب بها ، كتلك السجادة الوثيرة ذات الألوان الزاهية التي غطت الأرض الرخامية اللامعة ، و أيضا تلك الستائر الرقيقة التي تهادت أمام النوافذ العريضة التي سمحت للشمس بغمر الغرفة بوفرة في كل صباح ..
جالت”داليا”ببصرها أكثر بإرجاء الغرفة الواسعة ، فلاحظت تلك الخزانة الكبيرة المصنوعة من الخشب السميك القاتم ، و زجاجات العطر الغالية الثمن التي توزعت علي منضدة الزينة ، و جذب إنتباهها أيضا صدر الغرفة الذي كان به باب مفتوحا ظهر من خلفه حمام مترف ..
إرتعش جسدها توترا و هي تفكر بهذه الليلة التي ستشارك فيها زوجها غرفته و فراشه لأول مرة !
إنتفضت فجأة حين شعرت بيديه تقبضان علي كتفيها من الخلف ، إضطربت كثيرا فلا شعوريا إنهمرت الدموع غزيرة من عينيها بدون أن تحاول إيقافها أو مسحها ، إنها امرأة متزوجة الأن و بدلا من أن تتمتع بحياتها الجديدة ها هي في عذاب نفسي أليم ، تعذبها فكرة زواجها من”عز الدين”فهي تشعر بإن زواجهما سوف ينتهي قريبا عندما يمل منها ليعود و يبحث عن إمرأة أخري تمنحه مزيدا من الإثارة ، إمرأة كـ”جومانة خطاب”مثلا !!
شعرت بالخوف الشديد من إمكانية حدوث تلك الفكرة، فعزمت علي القرار بأنها لن تمنحه أي شيء حتي تتبين لها الحقائق كاملة ، إذن لا مجال لإقامة علاقة طبيعية معه .. فهو يريد كل شيء أو لا شيء ..
إتفضت مرة ثانية عندما شعرت بحرارة أنفاسه علي عنقها ، فإبتعدت عنه متوترة قبل أن يسترسل في تصرفاته ، بينما رفع أحد حابيه مستغربا ثم سألها:
-مالك ؟ في ايه ؟؟
أجابته بإضطراب دون أن تلتفت إليه:
-مافيش .. مافيش حاجة.
سمعته يتنهد بثقل ، ثم شعرت به يقترب منها حتي وقف إلي جانبها ، فأمسك بكتفيها و ادارها نحوه لتكون في مواحهته ، فأغمضت عيناها متجنبة النظر اليه فسألها بهدوء:
-داليا .. انتي خايفة مني ؟؟
أجابته بمرارة مستسلمة:
-لأ .. لأ طبعا و هخاف ليه ؟ انت بقيت جوزي و انا لازم اثق فيك.
-طيب افتحي عنيكي.
قال بخشونة ، ففتحت عيناها ببطء لتجده أمامها آسرا و جذابا و مسيطرا ، بدا وجهه تحت أضواء الغرفة الخافتة مثيرا ، كان جماله شيطاني آنذاك ، و كانت ترتجف تحت يديه ، لكنها جاهدت كي تظل عينيها في مواجهة عينيه الحادتين ، بينما مسح شفتيها بأصبعه ثم قال بلطف ناقض تلك القسوة في عينيه:
-عندي هدية ليكي .. هو صحيح جوازنا تم بسرعة بس انا مستحيل كنت انسي اجيبلك شبكتك.
لم تقل شيئا فقط ظلت تحدق به ، بينما إبتسم بخبث فظهرت أسنانه البيضاء المتناسقة ثم تركها فجأة و توجه نحو طاولة صفيرة توسطت الغرفة الكبيرة ، ثم عاد إليها حاملا علبة كبيرة مغطاة بالمخمل الأسود و قال:
-الطقم ده عليه توقيع Graff .. انا ماحبتش ابدا اقدملك اي حاجة.
ثم فتح العلبة أمام عينيها المندهشتين ، و أخرج عقدا من الماس المرصع بالزمرد علي إطار من الذهب و البلاتين مع قرطين مماثلين ..
ثم وقف خلفها و قام بنزع العقد الذي كان يطوق عنقها و الذي لا يساوي شيء مقارنة بالعقد الكامن بيده ، ثم ألبسها المجوهرات الثمينة و أدارها إليه كي يتمعنها أكثر ، فقربها إليه ثم قال هامسا:
-شكلهم بقي احلي عليكي.
إرتجفت”داليا”ثم أبعدت يده عن عنقها ببطء ثم قالت متعلثمة:
-شـ شكرا.
-شكرا بس ؟؟
هتف بصوت أجش ، فإضطربت و دمعت عيناها بلحظة ثم قالت:
-مش دلوقتي .. كل حاجة جديدة عليا .. ياريت تقدر ده و تصبر عليا يافندم.
رفع حاجبيه الكثيفين في دهشة و قال:
-يافندم ! .. داليا احنا اتجوزنا خلاص .. لسا بتقوليلي يافندم ؟!
إشتعلت وجنتاها تحت وطاءة نظراته فقالت:
-دي حاجة من ضمن الحاحات الجديدة عليا .. مش هقدر انطق اسمك عادي كده.
-ليه ؟ هو صعب اوي كده ؟؟
هزت رأسها نفيا فعبس قائلا:
-طيب .. طالما مش صعب اتفضلي سمعيني .. انا اسمي ايه ؟؟
تطلعت إليه في توتر ، فرفع حاجبه يحثها علي الكلام ، فإرتجفت شفتها و هي تحاول نطق إسمه:
-عـ .. عز .. عز الدين.
بعد ذلك ظلت تتنفس بعمق و كان صدرها يعلو و يهبط بسرعة و كأنها إنتهت للتو من سباق طويل ، فيما إنعكس إضطرابها الداخلي في الإحمرار الذي خضب بشرتها البضة ، فرمقها بنظرة غريبة لم تستطع فهم مغزاها ، ثم راح يلتهمها بعينيه بدءً من وجهها و حتي صدرها ، و بضمة قوية ألصقها به إلي أقصي حد ممكن ، فأطرقت برأسها توجسا ، إلا أنه شدد قبضته عليها في قسوة و إصرار و عناقها عناقا طويلا حارا ..
إسترخت و هي تشعر ببعض الدفء و الحرارة بأحضانه ، كانت تذوب بين ذراعيه كقطعة ثلج ، حتي أفاقت من غيبوبتها الحالمة فجأة حين إبتعد عنها قليلا كي يري تأثير ما فعله بها بتعابير وجهها ، فإبتسم بسخرية خفية عندما لاحظ التجاوب بعينيها و اللوم أيضا علي توقفه ، فربما لو كان إسترسل في أفعاله لكانت رضخت له كليا ، و لكنه أعادها إلي رشدها حينما أبعدها عن دفء حضنه فجأة ..
فيما إصطنع إبتسامة لطيفة و قال:
-انا مابحبش اخد حاجة بالغصب يا داليا .. لازم تكوني راضية و عايزة زيي بالظبط .. و عشان كده بس .. انا هحاول اظبط اعصابي علي اد ما اقدر و هصبر عليكي .. بس ماتراهنيش علي صبري كتير.





