روايه ظلمات لا تنسى

ابتسم وائل بحزن وهو ينظر إلى الأرض للحظة، ثم قال:
-عارف يا أمي، أنا مش بس قلقان عليها بسبب مازن أو يونس، لكن كمان بسبب نفسها هي دلوقتي محتاجة تفكر كويس قبل ما تاخد أي خطوة.
أومأت برفق وقالت:
-صحيح يا وائل، الإنسان ساعات بيحتاج يبعد شوية عشان يفهم قلبه وعقله.
تنهد وائل وقال بصوت منخفض:
-أتمنى بس تكون عارفة إن القرارات اللي بتاخدها دلوقتي هتأثر على كل حياتها، ومحدش يستاهل إنه يتألم بسبب حيرة قلبه.
ابتسمت والدته بحنان:
-ربنا يهديها ويخليها على الطريق الصح، وإن شاء الله يونس أو أي حد يحترمها ويحافظ عليها.
نظر وائل إلى السماء للحظة وقال:
-يا ريت يا أمي، يا ريت.
وبقيا صامتين لدقائق، كل واحد منهما يغوص في أفكاره، وكأنهم يحاولون أن يجدوا الإجابة وسط هذا الاضطراب العاطفي.
في شقة مازن ووجدان.
كانت تجلس تتابع التلفاز باندماج شديد، خرج مازن من الغرفة طالعها بحيرة وتسأل:
-قاعدة كده ليه؟!
أجابت ببرود:
-أمال المفروض أعمل إيه؟! أكون واقفة؟!
جلس جوارها وهتف بسخرية:
-ظريفة أوي مش المفروض كنتِ تبقي مع اختك النهاردة.
ردت باللامبالاة:
-لأ مش المفروض عادي يعني.
تسأل بنفاذ صبر:
-طيب أطمنتي عليها ؟!
أغلقت التلفاز وألتفت له وتسألت بغيظ:
-بتسأل ليه؟! إيه لسه بتفكر فيها؟! إيه حنيت ليها ما صدقت عملت العملية وخفت عايز تطلقني وترجع لها؟!
رمقها شذرًا وقال:
-إنتِ هبلة ؟! هو ده تفكير ناس عاقلة؟!
ردت ساخرة:
-أصل أنا عارفاك وفهماك كويس أوي بس مش أنا اللي يتغدر بيا.
زفر بضيق وقال:
-لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أنا غلطان إني قاعد أتكلم معاكِ أصلاً .
نهض تاركًا إياها متوحهًا إلى خارج الشقة، أسفل نظراتها الحانقة:
-أكيد رايح عند أمك تقعد تندب ليها أنا إيه بس اللي عملته في نفسي ده جوازة سودة صحيح.
ظل يونس جالسًا إلى جوارها، عينيه لا تفارق ملامحها الهادئة وهي تغفو من جديد تحت تأثير المهدئات. كان يراقب صدرها يعلو ويهبط بانتظام، وكأن هذا الإيقاع البسيط هو أعظم إنجاز حققه في حياته كلها. مدّ يده يعدّل خصلة شعر انسدلت على جبينها، ثم همس كأنه يخشى أن يسمعه الكون فيحسده:
-الحمد لله… الحمد لله يا رب.
مرت ساعات وهو على حاله، لم يشعر بمرورها، حتى بدأت وصال تتحرك بقلق خفيف. فتحت عينيها ببطء، هذه المرة أكثر وعيًا، ونظرت حولها ثم عادت بعينيها إليه.





