الفصل الأول في إحدى محافظات مصر وتحديدًا محافظة الشرقية وبقرية ريفية من قراها، صباح يوم مشرق نشرت الشمس أشعتها ويعم الدفء والنور من حولنا، وسط الأراضي الزراعية في منزل ريفي بسيط منظره من الخارج يريح النفس ويستجدي الهدوء فما بالك أنت وداخله بما ستشعر به من راحة نفسية في داخل المنزل وتحديدًا في إحدي الغرف المكونة من فراشين وخزانة ملابس وتسريحة بمقعد صغير كانت تجلس شابة جميلة في منتصف عقدها الثاني أمام المرآة تتأمل شحوب وجهها رغم أن بشرتها بيضاء ناعمة مطعمة باللون الوردي نهيك عن شعرها الأسود الغزير الذي يصل إلي آخر ظهرها كانت تطلع إلي نفسها في المرآة منذ شهرين وهي تشعر بصداع متواصل برأسها لكن تجاهلته لكن ما حل بها في الأونة الأخيرة يصعب تجاهله الصداع أصبح شبه دائم عليها وأيضًا أصبح يلازمه دوخة وغثيان، وكذلك شحوب وجهها وقد تبدل لونها الورد إلي لون أصفر وأصبحت الهالات السوداء تحيط بعينيها ستة أشهر مروا وهي تذهب من طبيب إلى آخر دون فائدة ليس هناك سبب لحالتها تلك. انتبهت من حالتها تلك على صوت توأمها التي تماثلها في كل شئ فهما توأم متماثل ولكن الإختلاف الوحيد هو اختلاف القلوب وما تضمره من خيرًا كان أو شرًا كان.. " هتفضلى قاعدة كده قدام المرايا ؟ " نطقتها وجدان باستياء وهي تناظر شقيقتها بعدم رضا. ألتفت لها وصال بحزن: -مش عارفة يا وجدان إيه اللي حصل ليا أنا خايفة أوي. قلبت الأخري عينيها بضجر: -وصال إنتِ روحتي لدكتور وأتنين وتلاتة كلهم قالوا معندكيش حاجة ايه بقي المشكلة هتفضلى قاعدة ليل نهار قدام المرايا لغاية ما تتجني؟ رمقتها وصال بعتاب وردت بضيق: -أنا مش قاعدة اتملي في جمالي أنا صعبان عليا نفسي وإلى وصلت ليه. قطع حديثهم طرق على باب الغرفة يتبعه دخول ولادتهم التي اتجهت إلي وتين تحدق بها بأسي: -عاملة إيه يا وصال؟ حاولت رسم ابتسامة بسيطة على ثغرها كي تخفف عن كاهل والدتها وردت مبتسمة: -الحمد لله بخير يا حبيبتي. قبلت والدتها أعلي رأسها بحنان وهي ترتب علي خصلات شعرها برفق: -طيب الحمد لله قومي ألبسي يا حبيبتي هنروح عند الدكتور. تهكمت وجدان باستياء: -دكتور مين ؟ إنتوا لفيتوا علي دكاترة البلد كلهم أصلاً ! زجرتها والدتها بعتاب وقالت: - فيها أيه لما نلف؟ بيها علي الجمهورية كلها مش بس البلد يا أم لسان ونص أنتِ روحي شوفي وراكِ إيه عشان احنا هننزل القاهرة. اتسعت مقلتي وجدان بصدمة وتسألت: -نعم نازلين القاهرة ؟ أومأت بالإيجاب وردت: -أيوة وائل أخوكِ أتصل بيا النهاردة وقالي أخو زميله في الشغل دكتور كويس وحجز لينا عنده. كانت تراقب حديثهم بصمت تام إلي أن قررت قطع هذا الصمت وتسألت بحيرة: -طيب ما الدكاترة هنا مقصروش فعلاً ليه نسافر ؟ وبعدين ده دكتور صغير في السن أكيد يعني مش شاطر . ابتسمت والدتها ساخرة وتهكمت قائلة: -لأ والله ما احنا روحنا هنا للدكاترة الكبيرة إلي شعرها شاب كمان ويا حسرة كان حد قال حاجة إلي يقول إرهاق وإلي يقوم انيميا لأ علي إيه نروح نشوف يا بنتي أنتِ شكلك بقي يقطع القلب ومتنسيش عريسك إلي راجع من السفر ده عشان يكتب الكتاب يرجع يلاقيكِ كده؟ . تنهدت بقلة حيلة وردت باختصار: -حاضر يا ماما إلي حضرتك شايفه. استدارت الآخرين ونظرت إلي وجدان وهتفت بأمر: -خدي بالك من نفسك ومن البيت يا وجدان بلاش تنزلى الشغل النهاردة واقعدي في البيت اعملي غداء وربنا ييسر نرجع بدري بإذن الله. تهكمت وجدان بغيظ: -يا سلام يعني إنتوا هتسافروا القاهرة وأنا بقي أقعد هنا أطبخ ؟ لا أبقوا اشتروا أكل وانتوا راجعين أنا مش هقدر أخد أجازة ورايا شغل مهم. تنهدت والدتها باستياء و حركت رأسها بقلة حيلة: -لا حول ولا قوه الا بالله العلي العظيم يا حبيبتي هو أحنا مسافرين القاهرة نتفسح ؟ إحنا مسافرين للدكتور وبعدين شغل ايه المهم اللي وراكِ يا بنتي ؟ يا حسرة إنتِ شغالة في صيدلية الشغل المهم بتاعك ترصى الدواء. صاحت وجدان بانفعال: -ماما هروح شغلي يعني هروح شغلي بعد إذنكم. غادرت وجدان الغرفة بعصبية شديدة، بينما تنهد الأم بحزن علي معاملة إبنتها الفظة فشتان بينها وبين توأمها " وصال " نهضت وصال وربتت على ظهر والدتها بحنان وتداركت قائلة: -معلش يا حبيبتي أنتِ عارفة وجدان هي عصبية شوية بس طيبة ومفيش أطيب من قلبها. ابتسمت والدتها ساخرة وتهكمت : -والله ما في طيب وغيرك أنتِ يا قلب أمك يلا أجهزي وانا هروح البس خلينا نتحرك بدري عشان نرجع بدري ميعادنا الساعة ١٢ الظهر نوصل بدري أحسن. وافقتها الآخر بتأكيد: -عندك حق هجهز أهو علي طول. في إحدى الشركات الهندسية الكبرى بالقاهرة كان يجلس وائل واضعاً رأسه بين كفيه بشرود تام قلقاً على شقيقته الصغرى فبعد أن شرح حالتها الصحية إلي رفيقه والآخير تواصل مع شقيقه الأكبر وأرسل إليه الأشعة والفحوصات الخاصة بها كي يرشح لهم طبيب مناسب فجأهم بضرورة زيارتها له هو وكانت المفاجأة فشقيق رفيقه ما هو إلا "طبيب متخصص في جراحة الأورام" هل من الممكن أن تكون مصابة بكانسر بالفعل؟ أفاق من شروده على يد حانية تربت على ظهره بحنان، رفع رأسه ورمق الأخير بحزن فتحدث هو بدوره مطمئنًا: -ممكن أفهم مالك يا وائل يا حبيبي لسه يونس مأجذمش أن عندها كانسر وارد جدًا يكون إرهاق أو أي مرض مناعي مثلاً. تهكم الآخر قائلاً : -لو كان كلامك صح أظن كان رشحها لدكتور غيره يا ياسر لكن مع الأسف رد أخوك كان غير قابل للنقاش. "تيجي ليا العيادة في أسرع وقت يا ياسر" هذه هي كانت كلمات شقيق ياسر بالفعل نطقها بجدية شديدة ولهجة لا تقبل النقاش من الأساس. أغمض ياسر عينيه بأسف : -أنا أسف بجد. قطب الآخر جبينه بعدم فهم وتساءل: -أسف علي أيه؟ ده أنت كتر خيرك يا حبيبي إنك تعبت نفسك وعرضت عليه الأشعة مش أفضل ما كنا نفضل علي عمانا من دكتور لدكتور ومفيش نتيجة. "إن شاء الله خير وربنا يطمنكم عليها" وهذا كان رد "ياسر" وهو يحدق برفيقه بإشفاق على حاله متمنياً الله داخله أن. يخفف عنه ويجيره في مصيبته ويخلفه خيراً منها. في تمام الساعة الحادية عشر ظهرًا كانت قد وصلت "وصال" برفقة والدتها إلي القاهرة، انتظروا "وائل" في المكان الذي حدده كي يقابلهم والذي جاء علي الفور لهم مرحباً بهم وهو يتظاهر بالمرح وبعدها قام بطلب سيارة لنقلهم إلي عيادة الطبيب كان يجلس في الأمام جوار السائق بينما هي والدته وشقيقته بالخلف. لاحظت "وصال" أن شقيقها علي غير ما يرام فتساءلت بحذر شديد: -مالك يا وائل إنتَ كويس ؟ رسم إبتسامة بسيطة على ثغره واستدار لها معقبًا: -بخير يا حبيبتي الحمد لله. نفت حديثه بإصرار: -لأ مش بخير شتان بين حالك الفجر وإنتِ ماشي لشغلك وما بين حالتك الوقتِ إيه اللي حصل؟ رد بادعاء كاذب: -شوية مشاكل في الشغل يا حبيبتي متشغليش بالك. رغم أنها لم تصدق حديثه ولا طرفة عين حتى لكن جارته بحديثه من المؤكد ستعلم ما به عاجلاً غير أجلاً: -بإذن الله يا حبيبي ربنا يصلح حالك دائمًا. أمنت والدتها على دعائها: -اللهم أمين يارب العالمين ويطمنا عليكِ يا بنتي ويصلح حالك. توجهت بنظراتها إلي نجلها وتساءلت باهتمام : -مش أخو زميلك طمنك يا حبيبي ؟ لم يقدر على أن يلتفت لها أو يرد من الأساس، ولكن هذا سيزيد من الشك والقلق بداخلهم أكثر فرد مضطرًا علي ذلك: -خير يا أمي بإذن الله. حل الصمت على الجميع حتى توقفت السيارة أمام احدي العقارات الحديثة وهبط منها ووالدته وشقيقته هبطوا تباعًا، انشغل هو في محاسبة كابتن السيارة، بينما حدقت " وصال " في اللافتات الطبية المتمركزة أعلى كل دور. انتهي شقيقها واستدار لهم وتحدث بنبرة هادئة: -يلا نطلع يا جماعة. أوقفته مستفهمة: -هو الدكتور إسمه إيه ؟ قصدي يعني هنطلع الدور الكام. مط شفتيه بحرج وأجاب: -مش عارف بس هسأل الأمن. تبسمت الأخيرة وقالت: -طيب ما نشوف الإسم علي العمارة وقتها هنعرف هو أنهي دور ؟ حدقت مرة آخري تمشط العقار بعينها وتساءلت باهتمام: -هو إسمه إيه؟ ابتلع ريقه بتوجس واستطرد بإبانة: -إسمه دكتور يونس. ظلت تحدق علي تركز بصرها على لافتة وتسألت بحيرة: -ده مفيش غير دكتور واحد بس اسمه يونس الشناوي وده دكتور جراحة أورام ؟ كلم صاحبك أتأكد من العنوان . حدق بعيدًا عنها وهو يجيب بحذر: -لأ هو دكتور يونس الشناوي. وقع حديثه بصدمة علي مسامعها، وأول من تجاوز الصدمة والدتها التي تسألت بريبة: -إنتَ بتقول إيه يا وائل؟ دكتور جراحة أورام ليه ؟ أختك كويسه مفيهاش حاجة. آخذ نفس عميق يعبئ به رئتيه قبل أن يرد بصوت واهم: -بإذن الله يا أمي مفيش حاجة خلينا بس نطمئن عليها أكتر. ظلت "وصال" تحدق بهم فمنذ قليل كان القلق يساور قلبها من حالة شقيقها ولكن الأن علمت جيداً مغزى حالته تلك، أغمضت عيناها علي ما هي ستقبل عليه فهي على يقين أنه ابتلاء من ربنا ولكنها على يقين أن الله لا يجلب سوى الخير وهذه هي البداية ومن المؤكد ستكون هناك نهاية إما وهي علي قيد الحياة أما وهي قد فارقت الحياة. تدخلت في الحوار الدائر بين والدتها وشقيقها وتحدثت بهدوء: -يلا يا ماما نطلع للدكتور يلا يا وائل سواء فيه أو مفيش نطمئن. اقترب شقيقها منها مقبلاً جبينها بحب: -بإذن الله خير. تبسمت بهدوء وردت: -سواء فيه أو مفيش خير يا حبيبي عشان ربنا مش بيجيب لينا غير الخير وبس… رمقها بإشفاق وتحرك ثلاثتهم تباعًا إلي داخل العقار من أجل مقابلة الطبيب ولحسن حظهم كانوا آول الدور وهذا ما خفف حدة القلق والتوتر في العيادة مكتظة بالمرضي بالفعل . لم يمر سوى نصف ساعة و مر من أمامهم شاب مرتدي حلة أنيقة لم تري سوي ظهره كانت تظنه إحدى المرض ولكن كانت الصدمة فهو لم يكن سوى الطبيب بالفعل فبعد أن رأته يدخل غرفة الكشف والمساعدة تتبعه إلى الداخل حتى بهت وجهها بعدم رضا من المؤكد أنه مجرد طبيب صغير ليس لديه خبرة من الأساس. خرجت الممرضة بعد دقائق وأشارت لهم بالدخول: -اتفضلوا الدكتور في إنتظاركم. نهض "وائل" ووالدته وكذلك نهضت "وصال" علي مضض آول من دلف غرفة الطبيب وخلفه والدته وكانت هي الأخيرة. نهض الطبيب باحترام: -أهلاً وسهلاً اتفضلوا بشمهندس وائل صح؟ اقترب وائل سريعًا ومد يده بترحاب: -أهلاً بحضرتك يا دكتور أشار إلي والدته "والدتي" واتجه بنظرات إلي شقيقته "وصال" ودي أختي وصال. تبسم يونس بعملية وأشار لهم الجلوس: -أهلاً وسهلاً بيكم اتفضلوا أقعدوا . جلست والدتهم، وجلست "وصال" علي المقعد المقابل بينما ظل وائل واقفاً جوار شقيقته. تسأل "يونس" باهتمام: -الأشعة والفحوصات معاكم؟ "أظن أن حضرتك شوفتها أكيد مش جايبنا من محافظة تانية تشوفها هنا ؟ ولا هو نظام لم فلوس ومنظره وخلاص" نطقت جملتها بإستياء تام، مما جعل الآخر يلتفت لها بإمعان وليته لم يفعلها فقد تاه في غابات زيتونيتها يشعر كأن شعاع عينيها قد أصاب قلبه لا محالة، تاه رده لا يعلم ماذا قالت من الأساس ظل على حالته تلك لثوان حتى انتبه على صوت شقيقها. رمق وائل شقيقته بعتاب وألتفت له واستطرد بأسف: -حقك عليا يا دكتور بجد وصال أعصابها تعبانة مش أكتر. تبسم بعملية وأجاب: -حصل خير مفيش مشكلة. اتجه بنظراته إلي "وصال" وتحدث بنبرة هادئة: -كلامك صح أنا شوفت الأشعة والتحاليل فعلاً عشان كده طلبت تيجي وحاليًا عايز منهم نسخة معايا تقدري تاخديها لما نطمئن عليكِ ده أولًا طبعًا وثانيًا بقي والأهم أن الفلوس الي أخوكِ دفعها هياخدها وهو ماشي استحالة أخذ من صديق أخويا فلوس ثالثًا والأهم يا أستاذة أن في فحوصات تانية لازم تعمليها كمان حابة تتفضلي تروحي مع السلامة وفرصة سعيدة جداً واعتبري نفسك مجتيش. حاول وائل التحدث معتذرًا: -أنا أسف يا دكتور وصال متقصدش. تبسم يونس بعملية : -مفيش داعي تعتذر أصلاً محصلش حاجه أنا بس بجاوب على أسئلتها. اتجه بنظراته لها وتسأل مستفسرًا: -حضرتك قررتي إيه؟ هتروحي ؟ ولا هتفضلي ؟ عشان حضرتك كده هتضيعي وقتي وتاخدي من وقت المرضي إلي بره . تنهدت بضيق وردت: -أكيد مش بعد السفر والبهدلة هرجع علي الفاضي. اتسعت ابتسامته وغمغم موضحًا: -هايل جدًا الوقتِ بقي عايز أفهم بداية الاعراض كانت إمتي مش بداية زيادة الأعراض. قطبت جبينها بحيرة وتسألت: -مش فاهمة ؟ استرسل باستفاضة: -يعني إمتي كان بيجي ليكي صداع جامد ويقعد نص ساعة مثلاً ويمشي كان من إمتي ؟ وكمان كان يخف لوحده ولا بالمسكنات والأهم أيه الأعراض الي تصاحبه ركزي معايا معلش عايز معلومات دقيقة علي قد ما تقدري. عادت بذاكرتها إلى الخلف وأجابت بتذكر: -يعني من حوالي ست شهور كان صداع جامد ومعاه شوشرة في الرؤية وأحيانًا غثيان. دون ما قالته وتدارك مستفهمًا: - الأعراض زادت إمتي ؟ والدكاترة اللي قبل كده تشخيصهم أيه؟ أجابت بهدوء: -الأعراض زادت من شهرين وروحت لدكاترة كتير في منهم قال أنيميا وفي قال إرهاق. عاد بظهره إلى الخلف مستندًا على ظهر مقعده يحركه يمين ويسار وأكمل استفساراته باهتمام: -طيب في نسيان فاكرة كل حاجة ولا بتنسى بسرعة ؟ الكلام مثلاً بتقدري تتكلمي بشكل متواصل؟ التركيز تقدري تركزي بشكل متواصل ولا بتفصلي وتنسي كل حاجة ؟ أومأت بالإيجاب: -بنسى بسرعة فعلاً وبردوا أبقي بتكلم وفجأة أنسي كنت بقول أيه أو أقطع في كلامي ومش بقدر أركز فعلاً. توقف بمقعده وبدأ يدون بعض أسامي الفحوصات والأشعة الخاصة بها وتحدث بعملية: -حاليًا هنبدأ بالأشعة المقطعية للمخ الأشعة طلعت سليمة يبقي مؤشر كويس وكذلك كتبت مجموعة من التحاليل تعملها وبإذن الله خير. كانت تراقب كل شئ من البداية بقلب أم يحترق داخلها ولكن بعد ما قاله الطبيب تيقنت أن مرض ابنتها بالكانسر من المحتمل أن يكون حقيقة فعلياً مما جعلها تنظر إلي الطبيب وتتساءل بحذر: -يعني يا دكتور ممكن ميكنش عندها ورم في المخ زي ما إنتَ شاكك؟ تبسم بهدوء وعقب قائلاً: -وارد جداً يا حجة بس خلينا نطمئن الأشعة تقدروا تعملوها في المركز المقابل ليا وانتوا خارجين تقدروا تحجزوا وبكره الصبح تنوروني بإذن الله بعد ما تعمل الأشعة. أومأ وائل بإيجاب: -تمام يا دكتور بإذن الله. نهض "يونس" وقام بمصافحته وعقب مؤكدًا: -وإنتِ خارج تاخد فلوس الكشف من الممرضة عيب كده إحنا أخوات يا بشمهندس. رد وائل بحرج: -لأ طبعًا يا دكتور ميصحش إحنا أخوات وحبايب أه لكن ده شغلك مينفعش. "لو ما أخدتش الفلوس متجيش تاني" نطقها "يونس" بجدية لا تقبل النقاش، مما جعل الأخير يرفع يده مستسلمًا: -لله الأمر من قبل ومن بعد إلي حضرتك شايفه يا دكتور هنعمله حاضر . ألتفت بنظراته إلي والدته وشقيقته: -يلا يا ماما يلا يا وصال. نهضت والدته وكذلك وصال، ولكن ما أن نهضت وصال ولمح محبس الخطوبة في يدها اليمنى حتى امتعض وجه يونس لا يعرف لما. يتبع........ الفصل الثاني مساءً كانوا قد عادوا إلى الشرقية وبرفقتهم وائل الذي لم يقدر على العودة إلى عمله يشعر بأن قلبه ينزف دمًا حزنًا علي شقيقته وخليلة روحه. منذ أن عادت وهي تجلس على الفراش الخاص بها تضم ركبتيها إلي صدرها وتنظر أمامها بشرود، لم تذرف دمعة واحدة كأن الدموع جفت في محجريها وأبت أن تهبط.. في الخارج كان يجلس وائل مع والدته يحاول أن يهون عليها وأن كل شئ سيكون علي ما يرام، وأثناء حديثهما كانت قد عادت وجدان من عملها ألقت السلام عليهم: -سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ردوا السلام عليها علي مضض، تعجبت من حالتهم تلك وجلست جوار والدتها وتسألت بحيرة: -خير يا ماما مالك في أيه؟ ووائل ماله في أية حاجة حصلت؟ الدكتور قال ليكم أيه؟ لم تقدر والدتها على الرد بل زادت دموعها فحسب، رأف وائل بحالتها تلك وتحدث بنبرة حزينة تقشعر لها الأبدان: -إحتمال يكون عندها ورم في المخ. انتفضت "وجدان" بصدمة وهي تضع يدها على قلبها برعب ولكن ليس رعب وخوف علي توأمها يا أسفاه عليها فقد كان خوفاً علي نفسها هي: -يعني إيه ورم ؟ طيب الدكتور أتأكد ولا لأ ؟ رد باختصار: -هنروح بكره بإذن الله نعمل ليها أشعة مقطعية وربنا يصلح الحال وميكونش فيه حاجة. سارعت بقولها غير مراعية مدي بشاعة قولها علي والدتها وعلي شقيقها فما بالك إذا استمعت لها نصفها الآخر: -أنا جاية معاكم بكره أنا لازم أطمئن علي نفسي مش إحنا توأم وارد جدًا يبقي عندي نفس المرض ده يعني يا ربي هي حظها والع في حاجة وأنا حظي زي الزفت وقُلت ماشي الوقتِ بقي عندها ورم ومن وقعتِ السودة إننا توأم يعني وارد أكون عيانة زيها. انتفض "وائل" من مكانه وجذبها من خصلات شعرها بعنف وصاح موبخًا: -إنتِ أيه يا حيوانة إنتِ بجد أنا مش مصدق يعني ولا عندك دم ولا حتى شفقة وبعدين يا حسرة علي توأم ده التوأم دول بيبقوا روح وقلب واحد في جسدين بيحبوا بعض لكن إنتِ سبحان الله بتحقدى تغيري علي أختك الي هي نسخة منك طيب لو كنتوا توأم مختلف بقي وكل واحدة شكل كنتِ هتعملي فيها إيه ؟ أنا بجد مصدوم هو إلي بيجري في عروقك ده دم زينا؟ ولا مياه ولا إيه بالظبط عشان أبقى فاهم ؟ نهضت والدته "وفاء" وقد تحلت عن صمتها اخيرًا وتحدثت بحزم: -سيب أختك يا وائل. حاول الاعتراض ولكن قاطعته بأمر: -سيبها هي جديدة عليك هي طول عمرها كده نطمئن علي أختك التعبانة الأول وبعدين نشوف جنابك وحسك عينك لسانك يخرج بحرف واحد بره عن تعب أختك ولا حتى تزعلي أختك وتكسري بخاطرها سامعة ولا لأ يا وجدان؟ ردت بضيق : -سامعة أنا راحة أتخمد. تركتهم متجهة إلى غرفتها وسط نظرات الإستياء والضجر من وائل والدته، ضرب كف بكف وتسأل بحيرة: -أنا نفسي أفهم دول توأم إزاي بس ؟! تهكمت والدته بحزن وعقبت: -هما توأم أه لكن تربية واحدة لأ الله يرحم أبوك هو السبب في ده كله يوم ما فكر يبعدها عن حضني وخلاها عند أخته عشان مبتخلفش ومع الأسف ملت قلبها كره وحقد تجاهنا وفي النهاية آول ما خلفت رمتها لينا. ربت علي ظهر أمه بحنان وقال: -ربنا يهديها يا أمي بإذن الله. أمنت على دعائه بتمني: -بإذن الله يا حبيبي ربنا يسمع منك. فتحت باب الغرفة وصفعته خلفها بعنف دون أن تنطق بحرف واحد ولا حتى ألقت علي شقيقتها السلام من الأساس ولم تطرف لها عين أن تنظر تجاهها، بدلت ملابسها سريعًا بمنامه بيتيه مريحة وانزوت على فراشها وغطت في سبات عميق غير عابئة بمصاب نصفها الآخر. تبسمت "وصال" بمرارة فهذا ما كانت تنتظره منها بالفعل التجاهل والجفاء لا تدري لما لا تشعر أنهم أخوه ؟ رغم أنهم بالفعل أخوة وتوأم خلقوا في كيس واحد أهناك أقرب علاقة أخوية من ذلك ؟! تنهدت بحزن يكفي ما هي به، وما ستقبل عليه بالغد، تتمدد على فراشها وهي تحاول أن تستجدي النوم لعل ما تمر به الأن ليس كابوسًا وتنتهي منه بالفعل. يقف في الشرفة وبيده فنجان القهوة الخاص به يرتشف منه علي مهم شديد وهو يتذكر تلك الوصال التي آخذت قدر كبير من عقله وتفكيره.. فاق من شروده على ضربات خفيفة على ظهره التفت إلي شقيقه مبتسمًا: -ياسر إنتَ هنا لسه مروحتش؟ تبسم الآخر ورد: -مراتي بايته عند أهلها يا سيدي قلت أرخم عليكم وأبات هنا معاكم. اتسعت ابتسامة يونس وتحدث بترحاب: -تنور يا باشا. أومأ الأخر برأسه بخفة وتسأل باهتمام: -طمني أخت وائل كويسة ؟ لأنه مرجعش الشغل تاني وقافل فونه مع الأسف. إرتشف يونس رشفة من فنجانه وتحدث بنبرة هادئة: -في الأغلب ورم في المخ زي ما أنا متوقع الفيصل بكره الأشعة إلي علي المخ. اتسعت مقلتي ياسر وتحدث بإشفاق: -لا حول ولا قوه الا بالله العلي العظيم ربنا يعينك بجد يا وائل بجد يعني خلاص فرحها كمان شهرين وكان عايز سلفة عشان يخلص جهازها تطلع تعبانة ومش أي مرض الكانسر. راقب تعابير وجه شقيقه وهتف بإصرار: -بما إنك بايت معانا النهاردة عايزك تحكي ليا كل حاجة عن وائل وأهله وإيه حكايتهم بالظبط. تعجب "ياسر" من طلب شقيقه ولكن أخبره بالفعل بكل شئ يعرفه عنه والأخير ينصت بكل حرف يقوله بتركيز تام كما لو كان يبحث عن إبرة صغيرة وسط كوم من القش. في صباح يومًا جديد أشرقت الشمس أشعتها معلنة عن انتهاء الظلام وبدأ يوم جديد وعهد جديد بأحداث جديدة نمر بها في يومنا سعيدة كانت، أم حزينة كانت، وفي نهاية اليوم تتبخر مع ضوء النهار ويبتلعها الليل في ظلماته… لم يغمض لها جفن طوال الليل، ما أن استمعت إلي آذان الفجر، نهضت بهدوء وقامت باللوضوء وتأدية صلاة الفجر وبعدها عادت إلى غرفتها ارتدت ملابسها المكونة من درس أسود وحجاب بسيط من اللون الأبيض وجلست تقرأ وردها من القرآن الكريم لحين أن تستعد والدتها وشقيقها…. بعد مرور أربعة ساعات كانوا قد وصلوا إلى المركز الخاص بالأشعة وعند وصولهم تفاجأوا بوجد "يونس"، أقترب وائل مرحبًا منه: -صباح الخير يا دكتور يونس. تبسم "يونس" ورد: -أهلاً يا بشمهندس أخبارك إيه ؟ رد الآخر بحزن: -الحمد لله. ربت يونس علي كتفه بعملية وهتف هامسًا: -إهدي كده يا بشمهندس هي تستمد قوتها من حضرتك. تنهد وائل بحزن وقال: -لله الأمر من قبل ومن بعد حاضر يا دكتور. إنتبه إلي شئ وتسأل مستفسرًا: -هو حضرتك بتعمل إيه هنا؟ رد يونس بعملية: -في كام حالة كنت بشوف الأشعة بتاعتهم وحاليًا طالما وصلتوا هفضل معاكم باذن الله . اتجه بنظراته إلي وصال وتحدث بنبرة هادئة: -أخبارك إيه النهاردة يا أنسة وصال؟ أومأت بخفة وهتفت بصوت خافت: -الحمد لله بخير. تنهد بارتياح وعقب: -خير إن شاء الله أتفضلي معايا عشان الأشعة. بدون شعور منها قبضة علي يد والدتها بخوف: -حاضر يا دكتور. نهضت وإلي جوارها والدتها، ولكن أوقفها يونس بعملية وأشار لها أن تجلس: -حضرتك خليكي مرتاحة الممرضة هتكون معاها وهي بتجهز غلط تكوني موجودة وقت الأشعة. حاولت وفاء التحدث لكن قاطعها هو بصوت حاسم: -أسمعي الكلام يا حجة لو سمحتي مش هينفع تكوني موجودة. تنهدت الأخري بقلة حيلة وقالت: -حاضر يا أبني. تحرك يونس ومن خلفه وصال وصل بها إلي حجرة الأشعة ونادي إلي الممرضة التي اقتربت على الفور: -نعم يا دكتور؟ تحدث بهدوء: -جهزي الأنسة لأشعة مقطعية على المخ. أومأت بإيجاب وردت: -أوامر حضرتك يا دكتور. ذهبت "وصال" برفقة الممرضة، بينما اتجه يونس إلي غرفة الأشعة وجد الطبيب في انتظاره جلس على المقعد المجاور في حالة ترقب تام، مما جعل الآخر يتعجب من حالته تلك ويتساءل عن حالته: -إنتِ كويس يا دكتور ؟ حرك رأسه بإيجاب وعقب: -أه كويس الحمد لله ليه بتسأل السؤال ده ؟ أجاب الآخر بمغزي: -حضرتك أول مرة تحضر أشعة لمريض عند حضرتك وكمان واضح إنك قلقان أوي عليها. رمقه يونس بتحذير وتدارك مستفهمًا: -أولاً أنا بقلق علي كل المرضي ثانياً مهتم بيها لأن اخوها يبقى صديق اخويا وهو موصيني أوي عليها اتمنى تكون فهمت. تبسم الأخير بهدوء ورد: -رغم إني مش مقتنع بس إلي حضرتك شايفه يا دكتور. صمت الإثنين بعد وصول الممرضة وبرفقتها وصال وبدأت في تجهيزها من أجل إجراء الأشعة كل هذا تحت نظرات "يونس" الذي يتابعها بقلب منفطر لا يعلم لما ولكن كل ما يعلمه الآن أن تكون على خير ما يرام. بعد مرور ربع ساعة أشار له طبيب الأشعة على شئ ما: -شوف يا كده يا دكتور. اعتدل "يونس" في جلسته وهو يصوب تركيزه باهتمام علي الشاشة ويا أسفاه فما كان متخوف منه قد كان عاد بظهره إلى الخلف متمتمًا بشرود: -ورم في المخ. ألتفت الطبيب الآخر له بعد أن قام بحفظ الأشعة وتحدث بعملية: -بس حجمه لسه صغير. تهكم الآخر ساخرًا وعقب: -ممكن الحجم صغير لكن المكان صعب في جزع المخ. إمتعض وجه الآخر وتسأل: -طيب رأي حضرتك ايه ؟ أجاب بعملية: -هنبدأ جلسات كيماوي لو استجاب يبقى أفضل طبعًا من الجراحة لأن إنتَ فاهم لو هو ورم خبيث مع الأسف يبقى بنخاطر بحياتها أصلا ومش هتخرج من العملية لكن لو الحجم تضاءل مع الكيماوي يبقي فيه أمل يطلع حميد لأن صعب نقدر نسحب عينة نفحصها يلا اطبع ليا نسخة وابعتها ليا وبلاش تقول ليها حاجة لو سألت. أومأ الآخر برأسه بخفة: -تمام يا دكتور. تحرك "يونس" من الباب الخلفي واتجه إلي عيادته واتجه إلي مكتبه بصمت تام. بينما علي الطرف الآخر عادت "وصال" إلي والدتها وشقيقها وجدتهم يجلسوا في انتظارها، وفور أن إقتربت منهم نهضوا علي الفور، حدقت بهم كثيرًا لتتبين منهم ما قاله الطبيب، لكن من لهفتهم على ما يبدوا أنه لم يقل شيئًا من الأساس، فتسألت بفضول: -هو الدكتور مقالش ليكم حاجة ؟ نظر وائل إلي والدته بحيرة وتحدثوا في نفس واحد: -لأ يا بنتي. -لأ يا حبيبتي هو مش كان معاكِ في الأشعة من وقتها مخرجش. مطت شفتيها بحيرة واسترسلت بإيضاح: -لأ هو شاف الأشعة وخرج من شوية. قطع حيرتهم إقتراب الممرضة منهم وإعطائهم الأشعة مما جعل وصال تتسأل بتلهُف: -هو الدكتور يونس فين؟ وقال إيه عن الأشعة؟ أجابت الممرضة بعملية: -الدكتور راح عيادته أما الأشعة فيها إيه الصراحة معرفش تقدروا تروحوا العيادة وتعرفوا كل حاجة بعد إذنكم . غادرت الممرضة وتركتهم في حيرتهم، إقترب وائل من شقيقته وضمها بحب: -إن شاء الله خير يا حبيبتي ربنا يطمنا عليكي يلا نروح للدكتور نفهم منه وضعك أيه. حاولت التبسُم لكن باتت محاولتها بالفشل فمعني هروب الطبيب منهم هكذا دون مواجهتهم أن هناك أمر جلي. في مكتب " يونس " كان يجلس بمكتبه في إنتظارهم يرتب أفكاره جيدًا فيما ينبغي أن يخبره لهم، هذا الموقف تكرر معه مرارًا وتكرارًا لا يدري لما في هذه المرة يشعر بكل هذا التخبط والثوران داخل قلبه؟! فاق من شروده على طرقات خفيفة على باب المكتب يتبعها دخول وائل ووالدته وشقيقته، ولج وائل الغرفة واقترب منه متسائلاً بحيرة: -حضرتك كنت فين يا دكتور ؟ كنا مستنينك هناك عشان الأشعة. جاهد في رسم إبتسامة بسيطة علي ثغره وأشار لهم أن يجلسوا: -أسف بس كان في حالة طارئة اضطريت أجي هنا اتفضلوا استريحوا. جلست وفاء وكذلك جلست "وصال" في المقعد المجاور بينما جاور " وائل " شقيقته بعد أن مد يده إلي الطبيب بالأشعة الخاصة بشقيقته. آخذها "يونس" وتظاهر بتفحصها رغم يقينه بما مدون بها، لاحظت"وصال" حالته تلك وتساءلت بهدوء: -خير يا دكتور؟ رفع نظراته علي الأوراق وصوب نظراته تجاهها بتركيز قبل أن يقول: -أنسة وصال واضح على حضرتك انك إنسانة مؤمنة بقضاء الله. ما أن نطق كلماته البسيطة حتى إنزاح الستار وعلمت أن هناك خطب ما فتبسمت بهدوء وقالت: -حضرتك عايز تقول إيه يا دكتور ؟ أني عندي كانسر ؟ آخذ نفس عميق وزفره تباعًا واسترسل بإيضاح: -مع الأسف أيوا. شهقت وفاء بصدمة، بينما مسح وائل علي وجهه بضيق علي مصاب شقيقته ويا للعجب لم تردد سوي بضع كلمات اطربت أذن الآخر وجعلت الراحة تقشعر قلب الآخر. "الحمد لله" نطقتهم بسلاسة ورضا لم يراهم لدي أحد قبلها من الأساس، حدق بها لثوان قبل أن يتساءل باهتمام: -إنتِ سمعتي أنا قُلتَ أيه ؟ حضرتك عندك كانسر! اتسعت ابتسامتها وعقبت بإيضاح: -أيوة عارفة سمعت حضرتك يا دكتور وقولت الحمد لله ماله ردي مش عاجب حضرتك؟ المفروض أقعد أعيط وأبكِ على حالي ؟ طيب ليه انا كويسة الحمد لله كل اللي بيجي من عند ربنا خير وأنا راضية بقضاء ربنا. لمع وميض عينيه بإعجاب: -بسم الله ما شاء الله ربنا يقوي ايمانك كده قطعنا نص الطريق الصعب وجه النص التاني السهل الممتنع مرحلة العلاج. تنهد وائل بحزن وتسأل: -يعني حضرتك خلاص إتاكدت يا دكتور إنه ورم في المخ ؟ رمقه بإشفاق: -أيوة أنا عارف أن الوضع صعب عليكم بس ده قضاء ربنا ولازم نرضي به لأن مفيش وقت لازم نبدأ مرحلة العلاج في أسرع وقت كل لما كان الوقت بدري في العلاج افضل. لم تستطع "وفاء" أن تظل علي صمتها وتسألت بصوت متلهف: -يعني فيه أمل تخف وترجع زي زمان وكمان ميرجعش تاني يا دكتور ؟ طيب إيه سبب المرض ده؟ قرر التخلي عن دوره كطبيب واتخذ دوره كإنسان يريد أن يطمئن قلب أم علي فلذة كبدها: -بصي يا حجة الكانسر مرض زي أي مرض ملوش سبب مرض من عند ربنا زي باقي الأمراض وبإذن الله تخف وترجع زي الفل كمان بس ده محتاج وقت وعلاج وعزيمة وبإذن الله كل حاجة هتبقى تمام. تبسمت "وفاء" بحزن وأكملت بمغزي: -بس الكانسر مش زيه زي أي مرض يا دكتور حضرتك بطمني وخلاص. حرك رأسه بيأس ورد بعملية: -مممم هو الطبيعي أني أطمنك بس نتكلم بالعقل الكانسر فعلاً زي أي مرض مجتمعين في حاجة واحدة أنهم بيدخلوا جسم الانسان يدمروه سواء سكر سواء ضغط أو غيره هو أه اصعبهم واشرسهم ويمكن علاجه صعب سواء العملية أو الكيماوي أو حتى العلاج بالإشعاع بس هو في النهاية مرض ولازم نبدأ معالجة بحذر وحايطة ونتقبله يا ست الكل أما بقي المرض جه منين هرجع أقولك إنه زي أي مرض دخل الجسم ممكن يكون بسبب وراثي وممكن خلل چيني وممكن من غير سبب خالص كمان ومن هنا بقي السؤال المهم كان فيه في العائلة أي حالة كانسر ؟ حركت راسها بنفي وردت: -لأ يا دكتور. صمتت قليلاً وأكملت بحذر: -بس هي ليها توأم ممكن تكون مصابة بكانسر هي كمان ؟ تحدث بعملية: -لأ طبعًا مش شرط إلا إذا كان الكانسر ناتج عن خلل جيني وده أنا مستبعدة جدًا لأن الورم كان هيظهر في مرحلة الطفولة. توجه بنظراته إلى "وصال" واستطرد بإبانة: -إحنا هنبدأ الأول جلسات الكيماوي وبه… "بس أنا مش هاخد كيماوي يا دكتور" جملة حاسمة ألقتها علي مسامعه بجدية تامة، ألتفت لها بحيرة وتسأل: -مش هتاخدي كيماوي إزاي مش فاهم؟ ردت باختصار: -الكيماوي لأ أنا معنديش مشكلة مع المرض راضية الحمد لله ولو حتي مليش عمر لسه وهموت يبقى أموت وأنا على أرض صلبة مش وأنا شايفة نظرات الحزن والشفقة من أقرب الناس ليا. تحدث مراوغًا فقد فهم ما تعنيه جيدًا: -أنا فاهم حضرتك عايزه توصلي لايه لكن أفهميني لو سمحتِ الكيماوي ده مرحلة من العلاج مقدرش أتخطاها. توجه بحديثه إلى وائل ووالدته وتحدث بلطف: -ممكن تسبوني شوية مع أنسة وصال؟ تبادلا النظرات وأومأ وائل بإيجاب وهو يساعد والدته أن تنهض: -تمام يا دكتور. استدار إلي شقيقته بحنو: -هستناكِ بره يا حبيبتي. تبسمت بهدوء: تمام... يتبع........ الفصل الثالث انتظر" يونس" غلق الباب خلفهم وصب اهتمامه وتركيزه علي "وصال" . تفهمت نظراته وأجابت بهدوء: -فاهمة حضرتك عايزة تقول إيه كويس يا دكتور بس أنا مش هقدر اخد الكيماوي مش بس عشان هتتعب منه لأ ده كمان عشان إلي هيحصلي بعده وأهمها شعري هيقع وأنا مش هستحمل أشوف شعري بيقع مش هستحمل نظرات الشفقة من حد غير كمان فرحي قريب مش هستحمل نظرات النفور من جوزي غير كمان أنا عايزة أبقي أم والكيماوي يحتاج وقت عشان يخرج من جسمي أنا عايزة أفضل زي ما أنا حتى لو هموت وأنا كده بالنسبة ليا أموت بدل البهدلة دي أموت وأنا زي ما أنا. اتسعت مقلتيه ممن كم الحقائق التي تخفيها وأزاحت الستار عنها الأن، آخذ نفس عميق عبأ له رئتيه جيداً قبل أن يردد بهدوء: -طيب خلينا متفقين ان أكيد الفرح هيتاجل. قاطعته بحزم: -أنا مش هأجل الفرح. زفر أنفاسه بثقل وأكمل بحدة: -ممكن تسمعي كلامي كويس أعتقد الشخص إلي هترتبطي به هو إلي هيطلب التأجيل ده أولاً ثانيًا بقي موضوع إنك أم فالخطوة دي هتتأجل فعلاً حتى بعد ما تعملي العملية وتخفي كمان وثالثاً بقي نظرات الشفقة إلي حضرتك بتتكلمي عنها مش هتشوفيها من الأساس كل اللي هتشوفيه حب ولهفة من كل إلي حواليكي وبس عارف أن جرعات الكيماوي صعبة وحاسس كمان… "عمرك ما هتحس بيا ولا بأي مريض زي طالما أنت مش في نفس الوضع يبقي تراقب بصمت لأن في أوقات كتير النصيحة بتبقي مش في محلها" حرك رأسه بيأس ورد بعملية: -آول مرة أشوف حالة زيك على فكرة. نهضت بهدوء وتحدثت برزانة: -بس أنا مش أي حالة أنا وصال أقدر أمشي. تسأل بحيرة: -طيب والعلاج ؟ والجلسات حضرتك المفروض تفضلي في المستشفى أصلاً عشان الجلسات وأقدر أتابع الحالة في المرحلة الأولى. سحبت الأوراق من بين يديه وتحدثت بهدوء: -وأنا مش هتعالج بالكيماوي بعد إذن حضرتك. أخذت الأوراق من أمامه و غادرت تاركة إياه ينظر في أثرها بذهول تام، وما هي دقائق إلا ودلف شقيقها الغرفة وتوجه إليه وتحدث بحرج: -أنا آسف يا دكتور وصال أعصابها تعبانة شوية. حاول أن يرسم ابتسامة مجاملة علي وجهه ولكنه فشل في ذلك وغمغم بتريث: -حصل خير يا بشمهندس أخت حضرتك تقدر تروح لأي دكتور غيري وبإذن الله خير ويتم شفائها علي خير. تنهد "وائل" بضيق وأردف ممتنًا: -تمام يا دكتور شكراً لحضرتك. آذن العصر فور عودتهم إلي محافظة الشرقية واتخذتها وصال حجة وانسحبت عنهم لأداء صلاة العصر حتى لا تترك لهم مجال للحديث. عادت "وجدان" من عملها وجدت والدتها وشقيقه يجلسون وعلى وجههم امارات الحزن، اقتربت منهم وألقت السلام: -سلام عليكم ورحمه الله وبركاته. رددوا السلام: -وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته. جلست بجوار والدتها وتداركت مستفهمة: -خير يا ماما في إيه مالكم ؟ وفين وصال؟ والدكتور قال إيه ؟ أجاب "وائل" بحزن: -مع الأسف عندها كانسر في المخ. شهقت بصدمة، وهي تضرب على صدرها بخفة: -يا مصيبتي السودة كانسر. عاتبها شقيقها بحزم: -اسمها اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيرًا منها. تجاهلت حديثه وتساءلت بتلهُف: -طيب وصال فين ؟ ورد فعلها إيه ؟ أشارت والدتها إلي الغرفة بحزن: -قاعدة في الأوضة من آول ما رجعنا غير أنها رافضة العلاج أصلاً. ضيقت عينيها واستفسرت: -طيب قالت لمازن ؟ توجهت نظرات شقيقها لها بضيق وقال: -إحنا في وصال ولا في سي مازن ده كمان ؟ أجابت بتلقائية: -الله مش عشان يلغي الفرح ولا يشوف هيعمل إيه ؟ أكيد مش هيتجوز مريضة كانسر يعني رجليها والقبر. لو كانت النظرات تقتل لوقعت صريعة الأن صاحت والدتها بتوبيخ : -إنتِ ايه بجد ؟ مجنونة ؟ ولا هبله ولا بتستهبلي ولا إيه بالظبط يا بنتي ؟ دي أختك توأمك يا هانم أقل واجب تقومي تقعدي جنب أختك دلوقتي تهوني عنها مش تفكري في خطيبها ؟ تدخل وائل في الحوار مهدئًا: -إهدى يا ماما لو سمحتِ وجدان أكيد زعلانة علي وصال بس التعبير خانها. تهكمت وفاء قائلة: -التعبير خانها طيب خلينا في المهم هنعمل إيه مع وصال؟ لازم تتعالج شوف دكتور تاني. تسألت بفضول: -هي مش متابعة مع دكتور؟ أجاب وائل بحزن : -دكتور يونس كويس فعلاً يا ماما بس المشكلة أن وصال رافضة الكيماوي. ضربت وجدان كف بكف وهتفت ساخرة: -بجد رافضة الكيماوي أمال هتتعالج إزاي؟! رمقها وائل محذرًا وأضاف بنفاذ صبر: -إيه رأيك تقومي تتكلمي معاها وتقنعيها تتعالج أفضل وصال رافضة تتعالج بالكيماوي حتى لو النتيجة أنها تموت مش فارق معاها . زفرت بضيق وعقبت قائلة: -صحيح أنا عايزة أطمئن على نفسي أنا كمان. تنهد وائل باختصار : -تمام يا حبيبتي حاضر. نهضت بملل وقالت: -هقوم أنا أشوف وصال وأطمئن عليها. بعد أن غادرت "وجدان" صاحت "وفاء" بحزن: -لا حول ولا قوة الا بالله العظيم شايف يا وائل أختك شايف وجدان. نظر أمامه بشرود وقال: -سيبك من وجدان يا ماما المشكلة مش في وجدان المشكلة في مازن. تساءلت بقلق : -تفتكر ممكن يتخلى عن وصال؟ إنتَ عارف هما بيحبوا بعض من زمان استحالة يسيبها . نظر إلي والدته بتردد : -يارب يا أمي يارب يسمع منك ربنا لأن مازن لو ساب وصال هي هتتعب فعلاً. فتحت باب الغرفة وجدتها مفترشة سجادة الصلاة وتضع وجهها بين كفيها، أغلقت باب الغرفة وجلست أمامها وتحدثت بهدوء: -عاملة إيه يا وصال ؟ رفعت "وصال" رأسها وظهرت وجنتيها الحمراء التي تختلط بفعل دموعها ابتلعت ريقها بمرارة وأجابت: -الحمد لله. ربتت "وجدان " علي ظهرها بمؤازرة: -معلش يا حبيبتي ألف سلامة عليكي. أومأت برضا: -الحمد لله. نظرت لها وجدان بحذر قبل أن تدارك مستفهمة: -هو إنتِ مش هتقولي لمازن عشان تشوفي رأيه؟ ردت بهدوء : -أكيد طبعًا هقوله عشان يبقي عارف لكن معتقدش ده إنه هيفكر يأجل الفرح أصلاً ده كان مستعجل . تبسمت وجدان متهكمة : -يأجل الفرح ؟ إنتِ طيبة أوى يا حبيبتي. رمقتها الآخري بحيرة وتسألت: -قصدك إيه مش فاهمة ؟ ردت ببساطة : -قصدي إنه أكيد هيفشكل الجوازة. اتسعت عيناها بصدمة وتساءلت بعدم تصديق : -إنتِ بتقولي إيه يا وجدان ؟ مازن يفركش الجوازة ؟ لأ طبعًا أنا ومازن بنحب بعض. اشتعلت نيران الغضب داخل قلب الأخرى وتحدثت بحدة مفتعلة: -يا دي الحب كل حاجة بالنسبة ليكِ الحب؟ أفهمي بقي يا وصال يا حبيبتي مازن إستحالة يوافق يكمل معاكِ وحتي لو وافق مش هيتجوزك غير بعد ما تخفي تمامًا كمان. حركت "وصال" رأسها نافية وهتفت بإصرار: -لأ طبعًا أنا واثقة في مازن وحبنا كمان هيفضل جنبى لغاية ما أتعالج بإذن الله حتى لو متعالجتش يكفي أني هقضي آخر أيامي معاه. رمقتها "وجدان" بتحدي: - طيب إحنا فيها كلميه وقولي ليه إيه رأيك؟ ولا تكلميه ليه هو مش نازل أجازة بكره خلاص؟ أومأت "وصال" بإيجاب: -أيوة. تبسمت وجدان بمغزي: -يبقى اول حاجة هيعملها هيجي يزورك أتكملي معاه وشوفي رد فعله وقتها يلا هسيبك أنا أروح أتغدى وفكري في كلامي كويس عشان مترجعيش تنصدمي أنا أختك على فكرة محدش هيخاف عليكِ زي. نهضت وجدان وغادرة الغرفة تاركة وصال غارقة في أفكارها. بعد مرور نصف ساعة دلفت وفاء وهي تحمل صينية مرتص فوقها كوب من الحليب وعدة سندوتشات، نهضت "وصال" واخذتهم منها بعتاب : -تعبتي نفسك ليه بس يا ماما. رمقتها والدتها بعتاب وقالت : -تعب إيه بس يا بنتي تعبك راحة . تبسمت وصال بحب : -طيب ممكن أفهم حضرتك زعلانة ليه ؟ أنا هتعالج بس مش بالكيماوي. تنهدت والدتها بحزن وردت: -بس الدكتور شايف كده يا بنتي. تجاهلت رد والدتها و هتفت بحزم : -نشوف دكتور غيره. قطع حديثهم رنين هاتفها بنغمة حفظتها عن ظهر قلب فهي من خصصتها لمعشوق الروح. اتسعت ابتسامتها بفرحة وردت: -ألو وعليكم السلام ورحمة الله خلاص هتركب الطيارة دلوقتي ؟ ترجع بالسلامة هستناك بكره مع السلامة يا حبيبي هعملك كل الأكل اللي بتحبه ماشي يا حبيبي مع السلامة . أغلقت الهاتف ونظرت إلى والدتها واستطردت بإيضاح: -مازن بيركب الطيارة و هيجي بكره بإذن الله بعد إذنك يا ماما هعمل أنا بكره كل الأكل إلى مازن بيحبه. "هتقولي لمازن بكره" كأن بسؤال والدتها قد عادت من أعالي السماء لتجد نفسها في صحراء خاوية. ابتلعت ريقها بهدوء وردت: -أكيد هقوله وأنا أصلاً واثقة في حب مازن ليا حبنا أكبر من أي حاجة هيفضل جنبى وفي ضهري كمان ولو هو طلب مني أوافق على العلاج بالكيماوي هوافق يا أمي أظن كده ريحت قلبك يا حبيبتي. في صباح يوم جديد خرجت وصال من غرفتها بنشاط وبدأت في إعداد الإفطار بحماس شديد، وكانت نظرات والدتها الحانية تتابعها بحنان . لاحظت هي ذلك واتجهت إلى والدتها بحب وقالت: -مالك يا ست الكل ؟ أنا كويسة؟ حركت رأسها بإيجاب وردت : -الحمد لله يا حبيبتي أنا روحت السوق جبت ليكِ كل الطلبات إلى هتحتاجي ليها. تبسمت "وصال" بحب وقبلت جبينها : -ربنا يخليكِ ليا يا ست الكل. مساءًا حضر مازن وهو محمل بالعديد من الحقائب بها ما لذ وطاب، وبرفقته حقيبة كبيرة رحب به وائل بحفاوة وكذلك وفاء وجلسوا سوياً يتناولوا العشاء في جو يسوده الألفة والمحبة. بعد فترة كان يقف "مازن" برفقة "وصال" في الشرفة يبثها بعشقه ويروي قلبها الظمأن ولكن لاحظ شرودها الدائم مما جعله يتساءل باهتمام: -مالك يا وصال؟ إنتِ بخير ساكتة ليه وسرحانة إنتِ مخبية حاجة عني؟ نظرت له بتردد ونطقت كلامها دفعة واحدة وداخلها يقين أنه لن يخذلها: -أنا عندي ورم في المخ يا مازن . ظل يرمقها بعدم تصديق وسرعان ما انفجر ضاحكًا مرددًا بعدم تصديق: -حرام عليكِ يا وصال فال الله ولا فالك تبشري على نفسك بالمرض ؟ تبسمت بهدوء وردت: -مين قالك إني بهزر أنا بتكلم جد أنا عندي ورم في المخ. سقط الفنجان من بين يديه وتسأل بحذر: -وصال إنتِ بتقولي إيه ؟ ده مش وقت هزار علي فكره ؟ "وأنا مش بهزر أنا بتكلم جد" نطقتها بسلاسة وهي تتأمل تعابير وجهه الذي بهت لونه. إبتلع ريقه بصعوبة شديدة وتسأل: -إنتِ إتأكدتي فعلاً أن عندك كانسر وعرفتي إمتي وإزاي ؟ ردت بهدوء: -التعب إلي كان عندي من فترة والدكاترة هنا مكنوش عارفين هو إيه أخو صديق وائل لما عرف الحالة طلب أشعة وتحاليل سافرت عملتها امبارح واتأكد أن فيه ورم في المخ فعلاً. إمتعض وجهه وصاح موبخًا: -يعني إنتِ عارفة من إمبارح قبل ما أكلمك اقولك إني هركب الطيارة وجاي ؟ حركت رأسها بإيجاب: -أيوة. اشتعل وجهه بغيظ وقال: -ليه مقُلتيش ليا إمبارح كنت قدرت أتصرف ؟ ضيقت عيونها بعدم فهم وتداركت مستفهمة: -اتصرفت إزاي ؟ أنا مش فاهمة كلامك؟ أجاب بنفاذ صبر: -كنت لغيت الحجز ومرجعتش مصر. جعدت جبينها بحيرة وتسألت: -لغيت الحجز؟ ومرجعتش مصر طيب وأنا والفرح؟ تجهم وجهه ونظر لها نظرة خاوية خالية من أي مشاعر: -فرح إيه ؟ ردت بحذر: -فرحنا أوعي تكون بتفكر تأجله لغاية ما تعالج؟ أنا محتاجة ليك جنبي يا مازن. آخذ نفس عميق وتحدث بنبرة حادة: -جنبك إزاي؟ سيبك من جنبي والكلام الفاضي ده خلينا في المهم الدكتور قال إيه بالظبط فيه أمل ؟ كانت تحدق به كأنه شخص غريب عنها لم تعهده من قبل فما بالك بعشق المراهقة والشباب فمازن مان يماثلها بالعمر قد كانوا بالمرحلة الإعدادية والمرحلة الثانوية في نفس المدرسة وكذلك نفس الفصل، نشأت بينهم علاقة صداقة وطدت بالمرحلة الجامعية رغم أنهما كانا بكليتين مختلفتين إلا أنهم كانت علاقتهم مستمرة حتي تقدم في خطبتها في عامه الأخير بكلية التجارة، أما هي كانت في عامها الأخير بكلية الآداب قسم اللغة الفرنسية، ليقرر السفر فور تخرجه كي يعمل ويكون نفسه وجلست هي في إنتظاره ثلاثة أعوام كاملة وها هما علي مشارف تتويج حبهم ولكن علي ما يبدو أن للقدر رأي آخر. فاقت من شرودها على صوته: -هتفضلي سرحانة كده كتير؟ ردي عليا الدكتور قال إيه ؟ آخذت قدر كافِ من الهواء تنعش به رئتيها وردت بصوت جاهدت أن يكون طبيعيًا: -هيعالج الأول بالكيماوي وبعدين عمليه بس أنا رفضت أتعالج بالكيماوي مش حابة شعري يقع مش حابة تشوفني وحشة قدامك أو إني أبان ناقصة أو معيوبة. ما كان رده سوي: -أنا تعبان من السفر وعايز أرتاح بعد إذنك. غادر من أمامها دون أن يستمع إلي ردها من الأساس أو توديعه لها. في بيت آخر في نفس القرية لكن يبتعد عن منزل " وصال " عشرون مترًا، متكون من ثلاثة أدوار الدور الأول يقطن به والدي مازن والطابق الثاني لشقيقه الأكبر أما الطابق الثالث فهو الطابق الخاص ب "مازن" في الطابق الأول كانت تجلس "عزيزة" والدة مازن ما إبنتها الكبري "مريم" يشاهدون التلفاز. اقتربت منهم زوجة الابن الأكبر"نسمة ": -أنا هطلع شقتي يا ماما محتاجة حاجة ؟ ردت عزيزة بضيق: -لأ بالسلامة يا حبيبتي. اتجهت نسمة وفتحت باب الشقة كي تغادر تفاجأت بمازن أمامها ووجه لا يبشر بالخير، فتساءلت بلهفة: -خير في إيه يا مازن وصال كويسة؟ تجهم وجهه ومر من جانبها وجلس جوار والدته وشقيقته، أغلقت والدته التلفاز وتسألت بفضول: -خير يا مازن مالك في إيه ؟ خارج بحال وراجع بحال غير الحال؟ زفر أنفاسه بضيق وقال: -وصال عندها ورم في المخ. شهقت النساء تباعًا وتسألت والدته بصدمة: -نعم نعم ورم في المخ؟ وجايين يقولوا الوقتِ ؟ الفرح خلاص على الأبواب ؟ رد بضيق: -لسه عارفين المبارح أنا لو كنت عرفت مكنتش رجعت. دمعت عيني نسمة بحزن: -لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم يا قلبي عليكِ يا وصال. تجاهلت حماتها الحديث وتوجهت بنظراتها إلى " مازن " وتسألت بحدة: -طيب وإنتَ ناوي على إيه ؟ أوعي تكون ناوي تكمل الجوازة يا مازن لأ يا حبيبي ده ورم في المخ يعني مفيش امل ولا رجاء منها تتجوز واحدة عيانة وتبلينا بيها علي أ إيه إحنا لسه علي البر. أيدتها إبنتها "مروة "بتأكيد: -عندك حق يا ماما سيبك من الجوازة دي يا واد وأنا هجوزك ست ستها كمان. اتسعت مقلتي نسمة بصدمة وتسألت: -بس ده حرام يا ماما مش بدل ما يقف جنبها في محنتها يتخلي عنها؟ صاحت الآخري بتوبيخ: -إنتِ مالك أنتِ ايه اللي حشرك بيني وبين عيالي؟ أتكلي علي الله علي شقتك. حركت رأسها بيأس وتحدثت بهدوء: -حاضر أنا طالعة بس نصيحة بلاش تظلموا وصال المرض بتاع ربنا ومين عارف إحنا ممكن يكون فينا إيه. ألقت جملتها على مسامعهم وغادرت إلي شقتها، تحت نظرات حماتها المشتعلة. إنتبهت مروة إلي شئ وتسألت بفضول: -فين شنطة الهدوم اللي إنتَ جايبها ليها معاك ؟ أوعي تكون سيبتها ليهم؟ حرك رأسه بإيجاب: -أيوة أكيد يعني مش هاخدها في ايدي وأنا ماشي يعني وبعدين أنا كنت في إيه ولا في إيه. رمقته والدته شذرًا وصاحت بانفعال: -طيب وإنتَ ناوي على إيه ؟ أوعي تكون ناوي تكمل الجوازة الشوم دي ؟ تنهد بضيق وقال: -مش هقدر أربط مصيري بمصير واحدة مريضة أكيد بس أنا هعمل أيه الاجازة خلاص راحت على الفاضي غير كمان أنا بحبها هلاقي زيها جمال وأدب وأخلاق منين . ردت شقيقته بدهاء: -ومين قالك أن الأجازة راحت على الفاضي إنتَ هتتجوز والفرح في معاده كمان . اتسعت مقلتي والدتها بصدمة: -نعم ؟ بتقولي إيه يا هبله يا بنت الهبلة ؟ هيتجوزها إزاي وهي كده عايزه تميلي حاله ؟ تبسمت بدهاء وقالت: -هو هيتجوز البنت إلي رايدها وعجباه وترضى بكل حاجة حتى شنطة الهدوم بقت في بيتها وهتبقي ليها إنتَ هتتجوز يا مازن" وجدان" مش "وصال" والأتنين توأم متماثل ميتخيروش عن بعض. اتسعت ابتسامة عزيزة: -طيب والله العظيم فكرة إيه رأيك يا مازن؟ رمقهم بحيرة وتسأل: -أتجوز وجدان ؟ أكدت شقيقته ذلك: -أيوة مش هتخسر أى حاجة والفرح في معاده وواخد صورة طبق الأصل من حبيبة القلب. نظر إلي شقيقته بتردد وتدارك مستفهمًا: -خير فكرة كويسة فعلاً بس معتقدش إنهم هيوافقوا. لمعت عيني شقيقته بمكر وغمزت بخفة قبل أن تقول: -هما هيرفضوا أه لكن الرأي رأي وجدان وأنا واثقة انها هتوافق كمان. أيدتها والدتها واستطردت بإيضاح: -أيوة فعلاً هتوافق أعملي حسابك تروحي ليها الصيدلية إلي هي شغالة فيها وتجري كلام معاها. أشارت إلى عينيها بحماس: -من عنيا الأتنين بكره الصبح أروح ليها وأظبط كل حاجة. تنهد بارتياح وعقب: -حلو أوي ريحتي قلبي هقوم أنا أنام تصبحوا علي خير. تبسمت والدته بحنان: -وإنتَ من أهل الخير. منذ أن حضر خطيب إبنتها واختارت أن تجلس بغرفتها بقلق شديد وهي تدعي الله أن يخيب ظنها وألا ينكسر قلب ابنتها، ولكن ما أن استمعت إلي صوت إغلاق باب الشقة نهضت سريعاً وفتحت باب الغرفة وجدت "وصال" تجلس على أرضية الشرفة الباردة بينما يقف شقيقها جوارها بحزن، اقتربت منهم علي الفور وتسألت بلهفة: -مالك يا بنتي في أيه ؟ يتبع.... الفصل الرابع لم تجاوبها "وصال" بل زادت شهقاتها حتى لو أنه لم يقلها لها لكن باتت على يقين أن زيجاتهم على المحك. توجهت وفاء بنظراتها إلي إبنها البكر وتسألت: -إيه اللي حصل؟ فشكل الجوازة صح ؟ تنهد بحزن عميق ورد: -مقلهاش صريحة يمكن الصدمة مأثرة عليه خونا نديه عذره. دمعت عيني "وصال" وهتفت بمرارة: -تفتكر ؟ هو مقلهاش بس أنا شوفتها في عينه يا وائل شوفتها في عينه. اقترب شقيقها منها وقام بسندها بحنو: -قومي يا حبيبتي إرتاحي شوية وسلمي أمرك لله يا قلب أخوكِ. في صباح يوم جديد كانت تجلس "وجدان" بعملها في الصيدلية بمفردها فهي من تقف بالشفت الصباحي وبما أن لا يوجد عمل لديها كانت تقلب في هاتفها بملل. "سلام عليكم ورحمه الله وبركاته" انتبهت "وجدان" لصاحبة الصوت والتفتت لها مبتسمة: -وعليكم السلام عليكم ورحمه الله وبركاته أزيك يا مروة عاملة أيه ؟ تبسمت مروة وردت: -بخير يا حبيبتي أنا كنت جاية ليكي في موضوع فاضية ولا أجي ليكِ في وقت تاني ؟ ردت بتلهُف: -فاضية طبعًا ولو مش فاضية أفضالك هو أنا عندي أعز منك يا مروة بردوا ده أحنا أهل. اتسعت إبتسامة الآخري بمكر: -كده إنتِ قصرتي نص الطريق وإنتِ عارفة أني مش بحب اللف والدوران وهكون صريحة معاكِ ولا إنتِ ليكِ رأي تاني ؟ أومأت وجدان بتفهم: -وهو فيه أحسن من الصراحة قولي يا حبيبتي خير؟ "مازن عايز يتجوزك إنتِ مش وصال" الطعنة التي أتتك غدرًا سترد غدرًا لا محالة، ولكن ليست المشكلة بالطعنة ولكن بمن طعنك، فالغدر لا يأتيك إلا من أقرب الأقربين لديك، وقد يكونوا أقرب إليك من حبل الوريد. "مازن عايز يتجوزك إنتِ مش وصال" كلمات نطقتها "مروة" بحذر شديد وهي تتأمل وقعها على مسامع الآخري. أغمضت عينيها وفتحتها أكثر من مرة مرددة بعدم تصديق: -مازن عايز يتجوزنى أنا ؟ طيب إزاي؟ تهكمت مروة قائلة: -وصال عندها ورم في المخ ولو فضلت خفت وارد جدًا يرجع ليها وأخويا مش هيدفن نفسه بالحياة عشانها غير الفلوس اللي بتتصرف علي الفاضي. أومأت "وجدان" ساخرة وتداركت مستفهمة: -أه أنا كده فهمت وأخوكِ بقي واخدني سد خانة صح؟ نفت سريعًا بدهاء: -لأ طبعًا مين قال كده إذا كان علي العرايس البنات علي كف من يشيل بس هو مش هنلاقي واحدة في جمالك وأدبك وأخلاقك وإنتِ كمان عارفة مازن كويس أوي وعارفة إنه جدع إزاي وشايفة كان مدلع أختك إزاي وهي يا دوب خطيبته ما بالك لما تبقي مراته ؟ حاولت "وجدان" أن تعترض لكن حاصرتها الأخري بقولها: -وجدان بلاش نضحك علي بعض أنا عارفة كويسة أوي إنك كان عينك من مازن. نفت سريعًا بدهاء : -لأ طبعاً إنتِ بتقولي إيه يا مروة ده كان هيبقى جوز أختى استحالة أبص ليه أو أفكر من الأساس ده زي وائل بالظبط. تبسمت الأخرى ساخرة وتهكمت قائلة: -طيب يا ستي ماشى هعمل نفسي مصدقاكِ بس الوقتِ خلاص هو مش هيكمل مع أختك وهيشوف حاله إنتِ بقي هتسبيه لغيرك وتقولي أصله زي أخويا؟ ولا هتوافقى إنتِ أولي من الغريب. صمت "وجدان" بشرود، واسترسلت الآخري بمكر ودهاء الثعالب: -وإذا كان علي وصال فهي أكيد مش هتكره ليكي الخير معلش بقى لو هي بتحب مازن فعلاً وبتحبك لازم توافق وتكون جنبك. ردت وجدان باستياء: -بس أنا كده هكون خطفت خطيبها ؟ يا تري هي بتتقبل ده وحتى لو اتقبلت ووفقت تفتكري ماما ووائل هيوافقوا؟ غير كلام الناس. مصمصت "مروة" شفتيها باستياء: -يا حبيبتي وإحنا مالنا ومال الناس كده كده الناس بتتكلم في كل الحالات. رمقته "وجدان" بحيرة: -إنتِ شايفة كده؟ تبسمت باتساع: -وهو فيه حاجة غير كده ها نيجي النهاردة نكلم والدتك وأخوك؟ نظرت لها بتردد وقالت: -ماشي ربنا يستر. فتحت باب الغرفة ودلفت وجدت ابنتها فلذة كبدها متمددة فوق فراشها وتنظر إلي السقف بشرود، والدموع تسيل على وجنتيها تأخذ طريقها وتلطخ وجنتيها المكتنزة، رمقتها بإشفاق اقتربت منها وجلست جوارها تربت على ظهرها بحنان. اعتدلت "وصال" بضعف وجففت دموعها بكف يدها وحاولت رسم ابتسامه على وجهها، تبسمت والدتها بحنان وقالت: -عاملة إيه يا بنتي ؟ ردت مبتسمة: -بخير وزي الفل أهو يا ماما الحمد لله. رغم يقين والدتها بادعائها الكذب ولكنها جارتها: -طيب الحمد لله يا حبيبتي ناويه تعملي إيه في موضوع الدكتور ؟ أخوكِ سأل علي كذا واحد بس والله يا بنتي قلبي مرتاح لدكتور يونس. ردت باختصار: -أنا مش هتعالج يا ماما خالص لو هموت يبقي أموت وأرتاح وأنا ماشية علي رجلي. شهقت والدتها بصدمة: -بعد الشر عنك يا قلب أمك ايه اللي انتِ بتقوليه ده بس يا حبيبتي بإذن الله هتخفي وتبقي زي الفل. أغمضت عيناها بتحسر وعقبت قائلة: -أخف عشان مين ؟ مازن أتخلي عني يا أمي متخيلة يعمل فيا كده؟ رمقتها والدتها بعتاب وقالت: -هتخفي عشان نفسك يا حبيبتي عشاني وعشان أخواتك. تهكمت بحزن وتداركت قائلة: -بس هبقي عبئ عليك وعلي وائل يا ماما مش كفاية المصاريف إلي راحت على جهازي كمان يضيع فلوسه علي علاجي والنهاية محتومة الموت يبقي ليه ؟ نوفر كل حاجة يا ماما ويكفي أني بقضي معاكم إلي فاضل ليا من عمري . انتفض قلب الأخري بين ضلوعها من فكرة خسارة ابنتها وفلذة كبدها: -لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم يا بنتي متوجعيش قلبى عليكِ أكتر ما هو موجوع يا بنتي إنتِ هتخفي بإذن الله أنا واثقة ربنا وفداكي كنوز الدنيا كلها أنا هقوم أسيب الغداء وإنتِ إرتاحي يا بنتي وفكري بعقل كده واستهدي بالله خليكِ علي يقين أن عند الله المخرج. تركتها والدتها وغادرت بينما عادت هي إلي شرودها ولسان حالها يقول لها: "وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ لَها الفَتى.. ذَرعًا وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرَجُ." في القاهرة وتحديدًا في الشركة الهندسية التي يعمل بها "وائل" كان يجلس علي مكتبه بينما صديقه "ياسر" يتابع عمله باهتمام. من حين لآخر ينظر وائل إلي فريقه يبحث عن كلمات منمقة يعتذر بها عن ما بدر من شقيقته، لاحظ هو ذلك ورفع رأسه عن الرسومات التي أمامه وتحدث باهتمام: -مالك يا وائل عمال تبص ليا كده ليه ؟ عايز تقول حاجة ولا إيه ؟ أومأ بإيجاب ورد بتوتر: -أنا بعتذر ليك إنتَ ودكتور يونس عشان اللي حصل من وصال هي رافضة تتعالج فعلاً. تبسم ياسر بتفهم: -مفيش داعي تعتذر أصلاً يا وائل مفيش حاجة تستدعي إعتذارك من الأساس ربنا يتم شفاها علي خير يارب العالمين. تنهد الآخر بارتياح وأمن على دعائه: -اللهم أمين يارب العالمين. حل المساء وعادت "وجدان من عملها ومنذ عودتها وهي صامته تراقب شقيقتها بصمت فحسب، مما جعل الأخري تنتبه لها وتتساءل بحيرة: -مالك يا وجدان ؟ ردت باختصار: -مالي أنا كويسة اهو. مطت شفتيها بحيرة وهتفت بتبرير: -حساكِ عايزة تقولي حاجة. نهضت وجدان باستياء وحركت رأسها بنفي: -لأ مش عايزة أقول حاجة ولو وجودي معاكِ في الأوضة مضايقك هقوم أقعد بره. أوقفتها "وصال" بتلهف: -لا طبعًا مش مضايقني خليكِ قاعدة معايا أنا محتاجة أتكلم يا وجدان ومش هلاقي حد يحبني ويقف جنبي قدك. جلست "وجدان" علي مضض وتسألت بفضول: -خير عايزة تقولي إيه ؟ تنهدت بحزن وأجابت: -أنا مصدومة بجد في مازن يا وجدان أنا مش قادرة أصدق إنه أتخلي عني بسهولة كده. "ده الطبيعي عايزاه يضيع عمره على الفاضي ويكسر فرحته" نطقتها وجدان بحقد مغلف بالقسوة، وقع على مسامع الآخري كنصل حاد سقط على جسدها مذقته إربًا، ظلت تحدق بشقيقتها بحيرة لا تصدق ما ألقته علي مسامعها فهما توأمان روحًا واحدًة وقلبًا واحد في جسدان فكيف لها أن تكون بمثل هذه القسوة عليها؟ بدلاً من أن تشاطرها حزنها وتخفف عن كاهلها تجلدها بهذه الطريقة. قطع حديثهم الدائر رنين جرس الباب بالخارج جعل الإثنين يصمتوا. بعد دقائق طرق باب الغرفة ودلفت "وفاء" وعلي وجهها ابتسامة عريضة: -وصال مازن وأهله بره يا حبيبتي وشكل كده خير. تبسمت بفرحة وانتفضت من مكانها وهي تنظر لأعلي وتتمتم بالحمد: -الحمد لله يارب الحمد لله. تحدثت وفاء بجدية: -ألبسي يا حبيبتي وأنا راحة أضيفهم. غادرت الغرفة سريعاً بينما اتجهت "وصال" إلي شقيقتها وجدان تضمها بلهفة: -مازن بره يا وجدان مازن بيحبني زي ما بحبه. ام تبادلها "وجدان" واكتفت بالصمت، ابتعدت "وصال" عنها واتجهت سريعاً إلي خزانة الملابس وأخرجت منها ثوب أنيق وبدأ في ارتدائه بتلهِف شديد، وكذلك اتجهت وجدان إلي خزانتها وأخرجت ثوب أنيق وبدأت في ارتدائه هي الأخري وعلي وجهها ابتسامة ماكرة. في الخارج. رحب وائل بمازن وعائلته وتقترب منهم "وفاء" وهي تحمل واجب الضيافة بين يديها قدمته لهم وجلست جوار والدة مازن تربت على فخذها بحنان: -منورانا يا أم مازن حصلت لينا البركة. تبسمت عزيزة باصطناع: -تسلمي يا حبيبتي البيت منور بأهله يا أم وائل شوفي يا حبيبتي أحنا جايين النهاردة عشان جواز العيال ربنا طبعًا يشفي وصال ويرفع عنها قادر يا كريم متعرفيش قلبي وجعني عنها إزاي لما عرفت يا قلبي دي بنتي إلي مخلفتهاش والله ربنا يعلم. أجابتها الأخري بإيماءة خفيفة: -ربنا يتم شفاها علي خير يا أم مازن دعواتك ليها. أشارت الأخرى على عيناها بلهفة: -ودي محتاجة كلام ده أنا داعية ليها النهاردة أنا والبت مروة وإحنا بنصلي الفجر صح يا بت يا مروة ؟ أيدت والدتها على الفور: -أيوة طبعًا ده حتي مازن يا قلب أخته فضل سهران طول الليل ومقدرش ينام ولا إيه يا مازن ؟ رد باختصار: -أيوة. نظراتهم لبعضهم لم تريح وائل من الأساس وجعلت الشك يزداد داخل قلبه فتسأل بحيرة: -يعني إنتِ عايز الفرح في معاده يا مازن ؟ ولا حابب تستني لما وصال تقوم بالسلامة وتغير الميعاد ؟ أجابت عزيزة بتلهُف: -لأ الفرح هيتم في معاده وكل حاجة فى معاها بس مع تعديل بسيط صغير أوي. رمقها بحيرة وتسأل: -تعديل إيه ده؟ زجرت نجلها بعينيها وهتفت بمكر: -ما تتكلم يا مازن إنتَ مكسوف ولا إيه يا حبيبي إحنا أهل وهما أكيد مش هيرفضوا يا حبيبي. تسألت وفاء بقلق: -نرفض أيه يا جماعة أنا مش فاهمة حاجة ما تتكلم يا مازن ؟ إنتَ هتمم الجوازه ولا لأ ؟ "أنا هتمم الجوازة بس هتجوز"وجدان" مش "وصال" " يتبع...... الفصل الخامس صدمة بكل المقاييس ألقاها مازن علي مسامعهم ليس وفاء ووائل فقط بل الصدمة أتاحط بقلب المسكينة التي كانت تخرج من غرفتها تزامناً مع حديثه تتبعها "وجدان" والتي اتسعت ابتسامتها بسعادة. آول من تخطي الصدمة قد كان وائل الذي تسأل بتلهِف: -مازن إنتَ بتقول إيه ؟ إنتَ أتلخبط صح ؟ إنتَ خطيب وصال أختى مش وجدان؟ رد الأخر بجدية: -لأ يا وائل إنتَ سمعت صح الفرح هيتم بس هتجوز وصال مش وجدان أنا مليش ذنب أتجوز واحدة مريضة وأيامها معدودة ؟ ذنبي إيه أضيع فلوسي وشقي عمري في الغربة علي علاجها ؟ واستطرد بتبجح: -وبعدين انت زعلان ليه أن مفسختش الخطوبة لأ هتجوز توأمها مغلطش أنا ولا عملت حاجة غلط ولا حرام كل حاجة كانت لوصال هتم بس هتبقي لوجدان. عند هذا الحد وانتفض وائل من مقعده وانقض علي مازن يجذبه من ملابسه مرددًا بجنون: -إنتَ إيه حيوان ولا جنس ملتك إيه ؟ ده حتي الحيوان بيحس عنك يا شيخ لأ بجح أوي وجاي تقولها ووشك مكشوف هي عيانة خلاص أخد أختها السليمة من كل عقلك جاي تطلب كده؟ فاكر أن وجدان ممكن توافق وتبني سعادتها علي سعادة اختها ؟ "بس أنا موافقة فعلاً يا وائل" صدمة آخرى أطاحت بما تبقي من العقل، ترك مازن من يده واغلق عينيه وفتحها عدة مرات يظن أنه يتوهم، ولكن ما التفت إلي شقيقته وجدها تنظر له بتحدي وتكمل حديثها بقسوة: -أنا موافقة أتجوز مازن يا وائل هو ولا عمل حاجة غلط ولا حرام هو من حقه يتجوز ويعيش حياته مش يتجوز واحدة محكوم عليها بالموت. ابتسم مازن ببرود وكتف ذراعيه فوق صدره وتهكم ساخرًا: -أظن سمعت رأي أختك أكيد مش هاجي أطلب الطلب ده وأنا مالي إيدي من موافقتها أنا راجل وأعرف الأصول كويس أوي. بثق وائل في وجهه باستحقار و رمقه من أعلي إلي أسفل بنظرات كره: -إنتِ مش راجل ولا تمس الرجولة بصلة أنتَ عار علي الرجالة مع الأسف ما هو مش كل الي مكتوب له ذكر في البطاقة يبقي راجل يلا بقي خد أمك وأختك وحاجتكم بكره هتوصل ليكم. صاحت "وجدان" بعصبية: -لا يا وائل مش هيمشو غير ما تتفق معاهم على كل حاجة أنا موافقة. أخيرًا تخلت والدتها عن صمتها، ونهضت من مكانها وتحركت بساقها الهلامية ووقفت أمامها تحرك رأسها بعدم استيعاب: -إنتِ بتهزري صح؟ ما هو أكيد بتهزري ؟ هتتجوزي خطيب أختك ؟ تبني سعادتك على تعاسة أختك ؟ دي توأمك نصك التاني؟ بتجبر ولهجة خالية من أي مشاعر اجابتها: -وليه إنتوا تحرموني من السعادة ؟ هي لو نصي التاني زي ما بتقولي تفرح ليا هي كده كده هتموت سواء النهاردة بكرة بعد سنة كلنا عارفين نهاية مرضها أيه ليه هي متتمناش ليا السعاده ؟ "مبارك يا وجدان ربنا يتمم ليكي بخير" كانت هذه آخر كلمات وصال قبل أن تسقط مغشيًا عليها غارقة في ظُلمات الدنيا ومكر وحقد البشر. بعد مرور شهر ونصف في المشفى وتحديدًا القسم الخاص بمرضى الأورام. كانت غافية على الفراش بجسد واهن ملامح وجه شاحبة صفحة وجه بيضاء لا يوجد بها شئ بارز الجواجب قد تساقطت، ورموشها الكثيفة التي كانت تزين أهدابها اختفت هي الأخرى من جذوره، أم عن رأسها الذي تضع فوقه الحجاب لأنه فرضًا علينا وليس من أجل أنها أصبحت صلعاء فقد تساقط شعرها بالكامل، تذكرت ما حدث معها بعدما فاقت من حالة الإغماء التي دارت بها لم تنطق سوى بضع كلمات أنها تريد أن تخضع للعلاج ولكن اشترطت عليهم أن يكون على نفقة الدولة كي تخفف عن كاهلهم، وعلى الفور هاتف وائل الطبيب "يونس" الذي لما يتوانى في تقديم المساعدة لهم وتم الموافقة بالعلاج علي نفقة الدولة في ظرف أسبوعًا واحد، وكذلك أبدت موافقتها ومباركتها لزيجة توأمها علي حبيبها السابق بل هي من أقنعت والدتها وشقيقها بذلك ومع إصرارها قد وافقوا وها هو يوم الزفاف الذي من المفترض أن يكون زفافها أصبح يوم زفاف شقيقتها، لولا إصرارها وضغطها على والدتها ما كانت حضرت هذا الزفاف وكانت تبيت ليلتها جوارها كعادتها. فاقت من شرودها على صوت يناديها بقلق علمت هويته علي الفور ومن هذا سوي الطبيب "يونس" تعتبره دخيلاً في حياتها لا تدري لما رغم أنه لا يتوانى في مساعدتها. ألتفت له وردت بوهن: -نعم يا دكتور ؟ تنهد بارتياح وعقب متسائلاً: -صاحية ليه لغاية الوقتِ ؟ أجابته بضعف: -مش جاي ليا نوم. حدق بها بحزن، وعاجلها متسائلاً بحذر: -بتحبيه؟ رمقته بعدم فهم، واستطرد هو بإبانة: -قصدي خطيبك. ارتسمت ابتسامة واهنة على شفتيها وتداركت قائلة: -بس هو مبقاش خطيبي هو الوقتِ جوز أختى. لعن شقيقتها داخلها وهتف باستياء: -بردوا مجاوبتش على سؤالي؟ أصل لو لسه بتحبيه بعد كل اللي عمله فيكي يبقي إنتِ غبية ومش بتفهمي كمان إلي زي دي ميتبكيش عليه أصلاً ولا يستاهل حتي إنك تفكري فيها. لا يعجبها حدته فتنهدت بسام وردت باختصار: -هو حضرتك بتكلمنى كده ليه أصلاً ؟ وكمان بتدخل في خصوصياتي ليه ؟ كون أن حضرتك الدكتور بتاعي ده بردوا ميديش لحضرتك الحق إنك تكلمني كده وبعدين هو عمل ايه معلش ؟ هو من حقه يعمل كده ليه يكمل مع واحدة أيامها تتعدد علي الصوابع ؟ إنتَ نفسك لو كنت مكانه كنت هتعمل زيه. آخذ نفس عميق وتحدث بنبرة هادئة: -أنا لو مكانه وبحبك فعلاً كان زماني كاتب كتابي عليكِ وتحت رجليكِ كمان أما بقي حقه وأن أيام بتقضيها وخلاص فالأعمار بيد الله يا أنسة يعني أنا شخص سليم قدامك أهو وارد جدًا وأنا واقف قدامك الوقتِ أطب ساكت وما شاء الله الورم يستجيب للعلاج علي فكرة يعني هتخفي وترجعي زي الأول كمان. رغم أن حديثه أثلج قلبها وأعاد لها روح الانثى التي افتقدتها و أنهكها المرض أجابته بكبرياء: -زي ما قُلت لحضرتك أنت مش مكانه عشان تحكم طالما إنتَ على البر ما تحكمش على إلي جوه البحر. اشتاظ غضباً وصاح بعصبية: -بس بقي كفاية أنا مش فاهم مالك فيكِ إيه بالظبط ليه بتعامليني كده من آول يوم شوفتيني فيه وإنتِ حتي مش متقبلاني كدكتور وأنا مستحمل ومش عارف ساكت ليه لكن مع الأسف قلبي هو السبب من آول يوم شوفتك فيه وأنتِ داخله ما أخوكِ وأمك خطفتي قلبي تمنيت تكوني ليا لكن لما شوفت الدبلة في إيدك قلبي أتكسر وأتحكم عليه بالموت من قبل حتي ما ينبض بالحياة وكمان حضرتك رفضتي تتعالجي معايا كان قلبي بيتقطع عليكِ لأن عارف كويس أوي إلى هتمري به وأي دكتور هيبقي بيتعامل معاكِ علي إنك مريضة وبس وده هيبقي صعب عليكِ إنتِ محتاجة تطمني لغاية ما الأمل بدأ يتولد من تاني وهتيجي تتعالجي وأنا دكتورك وخطيبك سابك حسيت أن ربنا أراد يقربنا من بعض لكن كل ما أقرب منك تقفلي الباب في وشي مش ذنبي إني حبيتك ولا ذنبي أنك بتحبي حد تاني الحب ده مش بإختياري الحب ده من عند ربنا هو اللي خلاكِ في عيني خلاني حابب تكوني ليا في الحلال والله أنا عندي إستعداد أكتب عليكي دلوقتي حالاً بس إنتِ توافقي وتديني فرصة وأنا هعرفك الحب على أصوله. ظلت تحدق به غير مصدقة ما تفوه به تكاد تقسم أنه مجنون لا محالة ولكنه ليس مجنون إنما هو شخصًا عاشق لها حد النخاع. طال صمتها، فتسأل هو بحذر: -وصال… "أسمي أنسة وصال يا دكتور أتفضل أطلع بره هعتبر نفسى مسمعتش حرف واحد من كلامك ده أنا هنا مريضة وحضرتك دكتور وعلاقتي بحضرتك هتنتهي بشفاءِ من المرض أو بموتِ" قاطعته بحزم مغلف بالقسوة وبعدها دارت وجهها بعيدًا عنه، بهت وجهه وتحدث بهدوء: -تمام يا أنسة وصال أسف لو إزعجتك بعد إذنك. غادر الغرفة سريعًا دون أن ينبث بحرف واحد تبعته بنظراتها وهتفت بحزن: -إنتِ تستاهل الأفضل مني يا دكتور. حاولت إغماض عيناها كي تغفو لكن فشلت في ذلك، اعتدلت بحذر وجذبت هاتفها وفتحت تطبيق المصحف وبدأت تتلو ما تيسر لها من آيات الذكر الحكيم. مع بزوغ الفجر كانت "وفاء" ترتدي ملابسها وخرجت من غرفتها وجدت وائل في انتظارها، رمقته بعتاب وقالت: -إنتِ صحيت ليه يا حبيبي ريح جسمك شوية. نفي سريعًا: -لأ أنا كويس يلا عشان نلحق نروح عند وصال. هزت رأسها نافية وعقبت: -هسافر أنا ليها يا حبيبي أنت لازم تفضل هنا عشان لو حد جه يبارك وأنا جهزت ليك فطار الصباحية عشان توديه. إمتعض وجهه بضيق وقال: -وهسيبك تسافري لوحدك ؟ وكمان وصال وحشاني عايز أطمن عليها. تبسمت بهدوء وردت: -النهار طلع أهو يا حبيبي خلاص متخافش عليا بس لازم تروح لأختك مش عايزين حد يتكلم ويقول محدش سأل عنها. زفر أنفاسه بضيق: -مش عايز ادخل البيت ده يا ماما أنا مش طايق البيت ده ولا الناس الي فيه ولا حتى طايق وجدان ذات نفسها إلي مصبرني عشان دي رغبة وصال وبس وإلي اصرت أن الجوازة تتم مش كفاية نظرات الناس يا أمي وكلامهم اللي زي السم إلي سمعنا بودانا ؟ ده أنا سامعهم بودني بيقولوا خافوا العريس يطير جوزنا ليه التانية بدل العيانة شايفة نظرت الناس بقت لينا إيه ؟ رفعت كتفيها باللامبالاة وهتفت بتريث: -الناس تقول إلي تقوله يا قلب أمك الناس هتتكلم في كلتا الحالات ربنا يعلم أن الغلط مش غلطنا. تهكم قائلاً: -بجد الغلط مش غلطتنا ؟ الغلط إننا مقدرناش نربي وجدان. تنهدت بحزن عميق و غمغمت بعدم رضا: -أنا السبب يوم لما وافقت أبوك أتخلي عن حتة مني يسبها لأخته اللي مش بتخلف تعوضها عن الحرمان بس قولت هتعوضها وكمان هتعيش في مستوى أحسن مننا وفي الآخر أول ما ربنا كرمها بعد ١٠ سنين رجعتها لينا عندها مقط وكره لينا هنقول أيه الحمد لله ربنا يهديها ويهدي سرها يارب رغم أن إلي باع مرة يبيع ألف مرة. أيدها وائل بتأكيد: -أنا واثق أن الجوازة دي مش هتكمل بس هنقول ايه الله يسامحك يا وجدان تعالي يا ماما أوصلك للموقف تركبي وأرجع. ربتت على ظهره بحنان: -تسلم يا أبني ربنا يبارك فيك يا حبيبي ويفرحني بيك إنتَ كمان. كان يقف في الشرفة يحتسي قهوته الصباحية بشرود وهو يفكر فيما دار بينه وبين مهلكة قلبه هل هذا نهاية الحب؟ ليته لم يراها أو يحبها من الأساس. "سرحان في إيه يا دكتور؟" نطقتها والدته بحنان وهي تقترب منه مربته على ظهره بحنان، تبسم بحب ورفع يدها مقبلاً يدها بحب: -صباحك ورد يا ست الكل. تبسمت بحنان وقالت: -قلبى إنتَ صباحك بيضحك ها بقي يا حبيبي مالك سرحان في إيه ؟ زفر أنفاسه بضيق ونظر أمامه بشرود: -سرحان في حالي يا ست الكل. امتعض وجهها وتسألت بفضول: -بردوا نفس البنت اللي حبيتها؟ أومأ بالإيجاب: -أيوة صارحتها بحبِ يا أمي وعرضت عليها الجواز بس رفضت. رمقته بغيظ وصاحت بانفعال: -يونس إنتَ عارف كويس إنها مريضة غير إنها لسه طالعة من تجربة فاشلة طبيعي مش هتقبل حبك ده. تحولت نبرتها إلى رجاء: -أنساها يا حبيبي إنتَ تستاهل الأحسن مش قصدي علي مرضها والله المرض بتاع ربنا بس هي متنفعكش حتى لو وافقت عليك يا حبيبي هيبقي رد إعتبار لكرامتها كأنثى مش عشان بتحبك. أجابها بإصرار: -هتحبني زي ما بحبها وهتكون ليا يا أمي. مر شهرًا آخر تحسنت حالة "وصال" عن ذي قبل ومازلت تمكث في المشفي أما عن علاقتها بيونس تكاد تكون منقطعة يأتي يفحصها كل يوم ويتحدث معها كلمات مقتضبة ويرحل. طرق الباب بخفة ودلف: -سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ردت هي ووالدتها: -وعليكم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تبسم بهدوء وقال: -أخبارك يا حجة عاملة إيه ؟ ردت بحنان: -الحمد لله يا أبني تسلم. اقترب من "وصال" فحصها أولاً وبدأ يدون بعض الملاحظات في التقرير الخاص بها وهو يتجاهلها كعادته طوال الشهر المنصرم ولكنها ملت من هذا الصمت أرادت إهتمامه السابق بها فقررت أن تستفزه بحديثها: -هو أنا هفضل هنا كتير لو مش عارف تعالجني نشوف دكتور تاني؟ رفع رأسه عن الطريق وتحدث ببرود: -تمام التقرير بتاعك جاهز والأشعة والفحوصات موجودة تقدري تتابعي مع دكتور غيري. بهت وجهها من رده وهتفت والدتها على الفور: -إستهدي بالله يا أبني هي متقصدش هي بس بتطمئن. التفت لها وتحدث بلطف: -يا ست الكل براحتها لو حابة تروح لدكتور تاني زي ما تحب أما حالتها خلاص الحمد لله قطعنا شوت كبير في العلاج ومعاد عمليتها اتحدد خلاص كمان أسبوع فهي مش حابة أنا أعمل العملية ده شئ يرجع لها بعد إذنكم قرروا وبلغوني. وضع التقرير مكانه وغادر الغرفة، نظرت "وفاء" إلي ابنتها بعتاب: -ليه بس كده يا بنتي ؟ الراجل شايف شغله بما يرضي الله مش كفاية وقفته جنبنا وفي ضهرنا ده فيه أدوية غالية علينا مستوردة كان بيجبها هو تبع شغله ومش بياخد مننا فلوس يبقي ده جزاته ؟ بدل ما نشكره ونقول كلمة حلوة ؟ أجابت بانفعال: -ما هو مش بيعمل كده لله البيه عامل فيها الحبيب وعايز يتجوزني . رمقتها والدتها بعدم تصديق وعقبت قائلة: -بيحبك وعايز يتجوزك طيب ده يوم المني أهو ده الراجل اللي بجد بس مين قالك كده ؟ ردت بتلقائية: -هو بس أنا وقفته عند حده. أغمضت والدتها عيناها وفتحتها عدة مرات مرددة بعدم تصديق: -قالك إنه بيحبك وعايز يتجوزك وجنابك وقفتيه عند حده؟ يعني لو عملتي العملية كنت قُلت شالوا مخك من مكانه وحطوا طبق سلطة لكن لسه معملتيش العملية ليه كده إيه عيبه ؟ وصال أوعي تكوني لسه بتحبي مازن أو بتفكري فيه يا بنتي؟ ده خلاص بقى جوز أختك يعني مفيش أمل يكون ليكِ في يوم من الأيام. هزت رأسها نافية وعقبت بإيضاح: -لأ طبعًا يا ماما مازن بقي بره حياتي من اللحظة إلي باعني فيها. ضيقت الأخري عيناها وتسألت بحذر: -طيب أنا كده فهمت كنتِ بتعمليه وحش ليه الوقتِ بقي ليه بتجري شكله عشان يكلمك بعد ما بعدتيه بنفسك ؟ وصال إنتِ حبتيه؟ تهربت من نظرات والدتها وأردفت بارتباك: -حبيته إيه لا طبعًا يا ماما . رمقتها والدتها بعدم تصديق: -مممم تمام. في شقة " مازن ووجدان " كانت تتحرك ذهابًا وإيابًا بعصبية شديدة بينما يجلس هو يقلب في قنوات التلفاز بملل وضيق يراقبها بنفاذ صبر: -هتفضلي راحة جاية كده كتير؟ توقفت في مكانها وصاحت بانفعال: -والمفروض أعمل إيه بعد اللي حضرتك قُلته ده ؟ قلب عينيه بملل وقال: -وأنا قُلت إيه؟ ردت ساخرة: -قُلت إيه ؟ جنابك هتسافر وتسبني وكمان كام شهر تبعت ليا أسافر معاك وقُلت ماشي لكن اللي مش ماشي بقي واستحالة أوافق عليه باقي كلامك يعني إيه هعيش مع والدتك تحت ؟ وكمان مصروفي هاخده منها هي؟ أجابها باستفزاز: -وفيها إيه ؟ أمي ست البيت ده وطبيعي نقعد معاها وكذلك أي فلوس ليا أنا ببتعها لأمي تحوشها ليا يعني طبيعي جنابك لو احتاجني فلوس تاخدي من أمي ومعتقدش أصلاً إنك هتحتاجي فلوس أنتِ تأكلي وتشربي هتعوزي إيه تاني ؟ صاحت بانفعال: -هو إيه اللي عايزة إيه تاني أنا متجوزاك إنتَ ولا متجوزة أمك ؟ أنا من حقي أقعد في شقتي ويبقي في إيدي فلوس. نهض من مكانه وصاح محذرًا: -صوتك يوطي لا إلا قسمًا بربي أجيبك تحت رجلي وهو ده بقي إلي عندي وأعلى ما في خيلك أركبيه. اشتعلت عيناها بغيظ وقالت: -لأ مش هسكت وهسيب البيت أهلي بقي يتصرفوا معاك. نظر لها قليلاً وسرعان ما انفجر ضاحكًا: -بجد؟ من كل عقلك هتغضبي تسيبي البيت بعد شهر جواز؟ أعتقد هتجيبي لنفسك كلام إنتِ في غني عنه أما أهلك فهما مش طايقينك أصلاً بعد الي عملتيه في أختك و معتقدش هيقفوا جنبك فأعقلي كده يا بت الناس وحطي عقلك في رأسك تعرفي خلاصك تصبحي على خير أنا رايح أنام. تركها وغادر وظلت هي تنظر في آثره بشرود فمعه كل هي من أوصلت نفسها لهذا المأزق وعليها أن ترتضي فبأي وجه ستطلب منهم أن يقفوا جوراها بعد ما فعلته وتحديها لهم؟ تهاوت على الأريكة بحزن فعليها أن ترضى بالأمر الواقع فما باليد حيلة… يُتبع...... الفصل السادس مرت الأيام التالية بسرعة البرق وجاء الموعد المحدد لإجراء العملية، حضر " يونس" مبكرًا إلي المشفي وأشرف علي جميع الاستعدادات الخاصة بعملية "وصال" وكان إلي جوارها والدتها وشقيقها وهم يقفون علي أعصابهم من شدة القلق والخوف عليها. دلفت غرفة العمليات ولكن قبل أن تخضع إلي العملية نظرت إلي يونس بتردد وقالت: -دكتور يونس. اقترب منها علي الفور وتسأل باهتمام: -نعم يا وصال محتاجة حاجة ؟ رمقته بتردد وهتفت بتوتر: -أحم يعني أنا أنا حابة اقولك إني اسفة على الكلام إلي قُلته لحضرتك قبل كده ويعني أحم لو.. قاطعها بحنان: -هش هش إهدي إهدي متوترة كده ليه ؟ أنا مش زعلان منك يا وصال ولا أقدر أزعل منك من الأساس. تبسمت بارتياح: -شكرًا ليك ويعني لو العملية عدت على خير أنا موافقة على طلبك. اتسعت ابتسامته بفرحة: -هتعدي علي خير بإذن الله يا مدام " يونس الشناوي". خضعت "وصال" إلي العملية الجراحية والتي قضي بها يونس خمسة ساعات وهو يتعامل بحذر شديد فالورم بالمخ ومستوطن بجزعه وأي حركة خطأ قد يؤدي بحياتها إلي الهلاك، وهذه ليست مريضته فحسب بل من سكنت وتربعت علي عرش قلبه. بعد مرور ٢٤ ساعة كان قد تخطت مرحلة الخطر وبدأت "وصال" في الإفاقة وأول ما رأته عيناها كان وجه يونس فتبسمت بضعف وهي تهمس باسمه: -"دكتور يونس " "أيوة يا قلب وعقل يونس حمد الله على السلامة يا عروستي" تبسمت بضعف وقالت: -أنا لسه عايشة بجد ؟! تبسم بحب وقال: -أيوة لسه عايشة بجد لا إلا أنا وإنتِ موتنا ودخلنا الجنة. تبسمت بإعياء وقالت: -هو إنت إزاي كده؟! ابتسم يونس على سؤالها، تلك الابتسامة التي تحمل ألف معنى، مزيج من الراحة والخوف والحب الذي كاد يقتله وهو ينتظر خروجها من غرفة العمليات. مدّ يده بحذر، يلمس أطراف أصابعها كأنه يخشى أن تختفي فجأة. قال بصوت منخفض، مبحوح من السهر: -إزاي كده؟ عشان ربنا كريم، وعشان إنتِ قوية أكتر ما تتخيلي، وعشان أنا كنت مستعد أدي عمري كله عشان اللحظة دي. رمقته وصال بنظرة طويلة، عيناها ما زالتا ثقيلتين لكن فيهما بريق دافئ، وقالت بنبرة متقطعة: -إنت كنت معايا طول الوقت؟ هزّ رأسه مبتسمًا: -من قبل ما تدخلي العمليات وأنا جنبك، ومن أول ما خرجتي وأنا قاعد هنا مروّحتش، ولا حتى غمّضت عيني. قطبت حاجبيها بتعب: -ليه؟ إنت دكتور، عندك شغلك ومرضى تانيين. تنهد يونس، ثم مال قليلًا ليكون في مستواها: -وصال المريضة الوحيدة اللي كانت شغلاني هي إنتِ. والباقي؟ كلهم كانوا مجرد واجب. سكتت لحظة، ثم همست بخوفٍ خافت: -أنا كنت سامعة أصوات وحاسة إني بعيدة، كأني بسيب الدنيا واحدة واحدة إنت خوفت؟ ضحك ضحكة قصيرة تخفي ألمًا عميقًا: -خوفت؟ أنا كنت مرعوب دكتور مخ وأعصاب، شفت حالات أصعب من كده، بس أول مرة إيدي كانت بتترعش. فتحت عينيها بدهشة: -بجد؟ أومأ: -أيوة. لما الورم طلع في جذع المخ، أي غلطة كانت هتنهي كل حاجة. مش بس حياتك حياتي أنا كمان. سكت قليلًا، ثم أكمل بصوت أكثر صدقًا: -كنت واقف جوه العمليات، وكل اللي في دماغي إن ما ينفعش أخسرك. لا كدكتور، ولا كيونس. بللت وصال شفتيها، وهمست: -كيونس إيه؟ ابتسم بحنو: -يونس اللي حبك من غير ما يحس، واللي لما عرف الحقيقة خاف يقولها عشان ما يزودش عليكِ تعبك. اتسعت عيناها قليلًا، ثم انسابت دمعة بطيئة: -إنت بتحبني؟ لم يتردد، لم يلف، لم يهرب: -آه يا وصال، بحبك. من يوم ما دخلتي العيادة وأنا حاسس إنك مش زي أي حد. بس سكت، استنيت، قلت لما تبقي كويسة لما ربنا يعديكي من المحنة دي المهم في اللي هيحصل دلوقتي. قالت بنبرة أقوى قليلًا: -هيحصل دلوقتي؟ ابتسم: -دلوقتي نركز إنك تخفي، خطوة خطوة وبعدها لما تقفي على رجليك، هطلب إيدك رسمي قدام الدنيا كلها. ضحكت بخفة رغم الألم: -دكتور بيطلب إيد مريضته؟! رفع حاجبه بمكر: -مريضتي السابقة. دلوقتي إنتِ أعز إنسانة في حياتي، وده تشخيص نهائي. ضحكت، ثم شهقت من الألم، فاقترب يونس سريعًا: -على مهلك، ضحكك لسه ممنوع. قالت بمشاكسة ضعيفة: -أوامر دكتور ولا أوامر خطيب؟ ابتسم بعشق: -الاتنين واحد. دخلت الممرضة في تلك اللحظة، تنظر لهما بابتسامة خفيفة: -الحمد لله على السلامة يا أستاذة وصال، الدكتور يونس تقريبًا كان هينهار لو ما فوقتيش. احمر وجهه قليلًا: -خلاص يا هدى، كفاية فضايح. ضحكت وصال: -سيبها تفضحك، أنا مبسوطة. بعد أن خرجت الممرضة، عاد الصمت بينهما، لكنه كان صمتًا دافئًا. قالت وصال فجأة: -يونس لو كنت ما فوقتش؟ وكنت موت؟! هتف : -ما تقوليهاش إنت فوقتي، وربنا إدانا فرصة جديدة وأنا وعد مني عمري ما أسيب إيدك. ابتسمت، وأغمضت عينيها: -طيب اقعد جنبي بس لو نمت، متسيبنيش. تبسم برفق: -نامي يا حبيبتي، وأنا هنا. وهفضل هنا العمر كله. ومع انتظام أنفاسها، جلس يونس يراقبها، لأول مرة منذ أيام يشعر أن قلبه عاد للنبض، وأن الحياة، رغم قسوتها، قد ابتسمت له أخيرًا. في الخارج…. كان يجلس وائل برفقة والدته، وتحدث بارتياح شديد: -الحمد لله أنا قلبي كان هيقف لو حصل ليها حاجة. أومأت بتأكيد: -أيوه يا ابني مين سمعك الحمد لله. هتف وائل بتردد: -أنا ملاحظ إن دكتور يونس مهتم بوصال أوي. تبسمت وقالت: -لسه واخد بالك؟! رد باختصار: -من قبل عمليتها وأنا حاسس بكده. أومأت بايجاب: -عارف وياريت بجد يكون من نصيبها ويعوضها عن اللي شافته. اطلق زفيرًا حادٍ وقال: -بس هي لسه بتحب مازن ومذبذبة وارتبطها بيونس حاليًا غلط هتظلمه وتظلم نفسها. هتفت الأخرى بنفاذ صبر: -إنتَ محسسني أنه جه خطبها وهي وافقت ممكن يبقى مفيش حاجة من دي صح وبعدين وصال عاقلة ومازن بالنسبة ليها حاليًا زوج أختها وبس. تبسم ساخرًا وقال: -وفين أختها دي يا حسرة أنا مصدوم بجد إش حال هما توأم مش كفاية اللي عملته فيها لأ وكمان مجتش معانا ولا فكرت تتصل تطمئن على أختها حتى. تنهدت بأسى وقالت: -ربنا يهديها لنفسها يا ابني المهم نطمئن على وصال ولو يونس فعلاً حابب يرتبط بيها أنا هكون أكتر من مرحبة بده واطمئن أختك عاقلة. ابتسم وائل بحزن وهو ينظر إلى الأرض للحظة، ثم قال: -عارف يا أمي، أنا مش بس قلقان عليها بسبب مازن أو يونس، لكن كمان بسبب نفسها هي دلوقتي محتاجة تفكر كويس قبل ما تاخد أي خطوة. أومأت برفق وقالت: -صحيح يا وائل، الإنسان ساعات بيحتاج يبعد شوية عشان يفهم قلبه وعقله. تنهد وائل وقال بصوت منخفض: -أتمنى بس تكون عارفة إن القرارات اللي بتاخدها دلوقتي هتأثر على كل حياتها، ومحدش يستاهل إنه يتألم بسبب حيرة قلبه. ابتسمت والدته بحنان: -ربنا يهديها ويخليها على الطريق الصح، وإن شاء الله يونس أو أي حد يحترمها ويحافظ عليها. نظر وائل إلى السماء للحظة وقال: -يا ريت يا أمي، يا ريت. وبقيا صامتين لدقائق، كل واحد منهما يغوص في أفكاره، وكأنهم يحاولون أن يجدوا الإجابة وسط هذا الاضطراب العاطفي. في شقة مازن ووجدان. كانت تجلس تتابع التلفاز باندماج شديد، خرج مازن من الغرفة طالعها بحيرة وتسأل: -قاعدة كده ليه؟! أجابت ببرود: -أمال المفروض أعمل إيه؟! أكون واقفة؟! جلس جوارها وهتف بسخرية: -ظريفة أوي مش المفروض كنتِ تبقي مع اختك النهاردة. ردت باللامبالاة: -لأ مش المفروض عادي يعني. تسأل بنفاذ صبر: -طيب أطمنتي عليها ؟! أغلقت التلفاز وألتفت له وتسألت بغيظ: -بتسأل ليه؟! إيه لسه بتفكر فيها؟! إيه حنيت ليها ما صدقت عملت العملية وخفت عايز تطلقني وترجع لها؟! رمقها شذرًا وقال: -إنتِ هبلة ؟! هو ده تفكير ناس عاقلة؟! ردت ساخرة: -أصل أنا عارفاك وفهماك كويس أوي بس مش أنا اللي يتغدر بيا. زفر بضيق وقال: -لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أنا غلطان إني قاعد أتكلم معاكِ أصلاً . نهض تاركًا إياها متوحهًا إلى خارج الشقة، أسفل نظراتها الحانقة: -أكيد رايح عند أمك تقعد تندب ليها أنا إيه بس اللي عملته في نفسي ده جوازة سودة صحيح. ظل يونس جالسًا إلى جوارها، عينيه لا تفارق ملامحها الهادئة وهي تغفو من جديد تحت تأثير المهدئات. كان يراقب صدرها يعلو ويهبط بانتظام، وكأن هذا الإيقاع البسيط هو أعظم إنجاز حققه في حياته كلها. مدّ يده يعدّل خصلة شعر انسدلت على جبينها، ثم همس كأنه يخشى أن يسمعه الكون فيحسده: -الحمد لله… الحمد لله يا رب. مرت ساعات وهو على حاله، لم يشعر بمرورها، حتى بدأت وصال تتحرك بقلق خفيف. فتحت عينيها ببطء، هذه المرة أكثر وعيًا، ونظرت حولها ثم عادت بعينيها إليه. قالت بصوتٍ أخف لكنه أوضح: -إنت لسه هنا؟ ابتسم فورًا: -هو أنا كنت همشي؟ -يمكن يمكن افتكرت إن اللي فات ده حلم. هز رأسه نافيًا: -لأ، مش حلم. دي الحقيقة، وإنت رجعتي للحقيقة تاني. تنفست بعمق، ثم قالت: -دماغي وجعاني شوية. ضغط على زر استدعاء الممرضة: -طبيعي، العملية كانت كبيرة. شوية مسكن وهتكوني أحسن. نظرت له بتردد: -يونس؟ -نعم. لو كنت خسرت ذاكرتي كنت هتعمل إيه؟ ضحك بخفة ممزوجة بقلق: -كنت هقعد أعرفك عليّ من أول وجديد. أقولك: أنا يونس، دكتور عنيد، بحب القهوة السادة، وبحبك إنتِ أكتر من نفسي. ابتسمت: -طيب كويس عشان أنا فاكرة كل حاجة. ثم سكتت لحظة قبل أن تضيف: -حتى خوفك. عقد حاجبيه: -خوفي؟ ردت بضعف: -آه كنت شايفة في عينيك خوف عمره ما كان خوف دكتور على مريضته. تنهد، ثم قال بصدق: -الخوف ده نابع من حبي ليكي. دخلت الممرضة وأعطتها الدواء، ثم غادرت بهدوء. بعد دقائق، شعرت وصال بالراحة قليلًا، فقالت: -ينفع أسألك سؤال صعب؟ رد باختصار: -اسألي لو كنت موت كنت هتسامحني؟ صُدم من السؤال: -على إيه؟ على كل مرة تعبتك فيها، وعلى خوفي، وعلى إني كنت بحاول أكون قوية لوحدي. اقترب منها أكثر: -إنت ما أذيتنيش إنت كنتي بتحاربي، وأنا كنت فخور بيكي. سكتت، ثم انهمرت دموعها: -أنا كنت مرعوبة يا يونس كنت حاسة إني لو ضعفت هقع. تبسم بحنان وقال: والضعف مش عيب العيب إن الواحد يواجه لوحده وإنتِ من دلوقتي مش لوحدك. بعد مرور يومين، نُقلت وصال إلى غرفة عادية بدأت تستعيد قوتها تدريجيًا، ويونس لا يفرقها ليلاً أو نهاراً يذهب لمتابعة عمله ويعود إليها من جديد،دلف غرفتها مبتسمًا: -عاملة إيه؟! تبسمت بإرهاق وقالت: -الحمد لله إنتَ مزهقتش من السؤال ده؟! إنت كل دقيقتين بتسألني نفس السؤال. رد بابتسامة: -أيوة هفضل أسألك نفس السؤال لغاية ما تقومي بالسلامة وتخرجي من هنا. هتفت بأمل: -ياريت بجد أنا عايز أخرج من هنا وأرجع بيتي. بهت وجهه وقال: -عايزة تمشي من هنا وتسبيني؟! ردت بضعف: -أكيد لأ بس مش هفضل عايشة هنا طول عمري. أومأ بتأكيد: -في دي عندك حق فعلاً طيب بعد ما تخرجي موافقة أجي أتقدم ليكي؟! طالعته بتردد وقالت: -ممكن نأجل الموضوع ده شوية ؟! أطلق زفيرًا حادٍ وقال: -ليه؟! إنت موافقة تربطني بيا ولا لأ؟! ردت بتوتر: -موافقة بس مش الوقتِ. قلب عينيه بملل وقال: -وهتفرق إيه الوقتِ من بعدين ؟! أنقذها من الإجابة دخول والدتها وعيناها تلمعان: -حبيبة قلبي عاملة إيه؟! ردت بابتسامة: -الحمد لله. نظرت وفاء تجاه يونس بامتنان وقالت: -ربنا يخليك يا دكتور، إنت رجعت بنتي للحياة. نظر يونس إلى وصال قبل أن يجيب: -الحقيقة هي اللي رجعتني للحياة. ابتسمت الأم، فهمت أكثر مما قيل: -ربنا يبارك فيك يا ابني. تبسم وقال: -هروح أنا أمر على مريض لو في حاجة كلميني فورًا هكون هنا. أومأت بايجاب وردت: -حاضر يا ابني تسلم. تحرك بخفة وغادر بينما جلست هي جوار ابنتها وتسألت باهتمام: -مالك ساكتة ليه؟! ردت بشرود: -دكتور يونس عايز يرتبط بيا. تبسمت والدتها بفرحة وقالت: -بجد ؟! وإنت رأيك إيه؟! التفتت إلى والدتها وتحدثت بنبرة هادئة: -خايفة. قطبت والدتها جبينها بحيرة وتسألت: -خايفة من إيه مش فاهمة ؟! استطردت بإبانة: -خلينا واقعين يا أمي الكانسر وارد إنه يرجع ليا في يوم من الأيام ليه أظلمه معايا سواء هو أو غيره؟! رمقتها والدتها باستياء وقالت: -لأ حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إيه الهبل اللي بتقوله ده؟! دخلتي إنت في علم الغيب عشان تقولي كده؟! وبعدين معنى كلامك إنك مش ناوية تتجوزي من الأساس ؟! ده كده جنان رسمي. ضربت والدتها كف بكف وهتفت متهكمة: -تصدقي بالله إنت هبلة بنت هبلة وشكل دكتور يونس شال مخك وحط مكانه فردة شبشب فوقي يا بنتي واعقلي الراجل عارفك وعارف حالتك من البداية لو مش حابب يرتبط بيكي مش هيرتبط وهو عرفك وقبل بيكي وإنتِ مريضة ويعتبر أكتر شخص عارف حالتك عايزة إيه تاني؟! تنهدت بأسى وقالت: -مع الأسف مش عارفة . تنهدت والدتها بقلة حيلة وقالت: -مش عارفة أقولك إيه غير ربنا يهديكِ… يُتبع...... الفصل الأخير في شقة مازن ووجدان. كانوا يجلسون يتناولوا الغداء بصمت تام قطعه مازن: -إحنا مش هنروح نزور وصال في المستشفى ؟! تركت ما بيدها وطالعته بحدة وقالت: -نعم؟! هتروح تزورها ليه؟! قلب عينيه بملل وقال: -هكون رايح ليه اطمئن عليها. أجابت ببرود: -أطمئن هي كويسة. رمقها شذرًا وقال: -والله؟! ايه الهبل بتاعك ده هي مش أختك توأمك المفروض نروح نطمئن عليها. ردت بحدة: -أختي أنا وتوأمي أنا وجنابك مش هتكون أحن عليها مني أنا اللي المفروض أروح أزورها ولوحدي. تسأل باستنكار: -وليه مروحش أزورها معاكي؟! صاحت بانفعال: -بجد؟! عشان تستعيد الذكريات والحب القديم ؟! ناسي إنها كانت خطيبتك اللي سيبتها لما عرفت بمرضها يبقى هتروح لها بصفتك إيه إن شاء الله ؟! رد ببرود: -لأ منستش ومش ناسي كمان إنك وافقتي تاخدي مكان أختك وتكسريها في أكتر وقت هي محتاجة ليكي فيه. حل الصمت بينهم لبرهة، كل منهما يحاول استيعاب غضب الآخر وجدان شعرت بأن مازن يتحدى حدود صبرها، ومازن شعر بأن وجدان تحاول أن تمنعه من فعل ما يراه واجبًا تجاه وصال. أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يكمل مازن بصوت منخفض لكنه حازم: -وجدان أنا مش هنا عشان أرجع لها الماضي، ولا أستعيد حاجة فاتت دي مش مسألة حب قديم أو ندم. رفعت وجدان حاجبها، لا تزال متوترة، لكنها شعرت بشيء من صدقه. -طيب ولو رحت معاك، هتكون مجرد زيارة ؟ أجاب بتأكيد: -أكيد هي دلوقتي تبقى أخت مراتي مش أكتر ولا أقل. هتفت بنفاذ صبر: -ماشي موافقة نروح ليها بكره بإذن الله. صباح يوم جديد استيقظت وصال على صوت طرق على باب الغرفة، اعتدلت بضعف وأذنت للطارق بالدخول: -أدخل. دلف يونس حاملاً باقة ورود حمراء وعلى شفتيه ابتسامة جميلة: -صباح الورد على عيونك الحلوين. تبسمت باستحياء: -صباح النور. مد يده إليها بباقة الزهور: -اتفضلي. آخذته منه على مضض وقالت: -الدكاترة والعاملين في المستشفى هيقولوا إيه يا دكتور وإنت داخل للحالة بتاعتك بورد؟! رفع كتفيه بالامبالاة وقال: -هيقولوا دكتور بيحب يدلع المرضى بتوعه لو الوضع مضايقك وافقي تتجوزيني وأنا هجيب مايك وأنادي من هنا لبكره يونس بيحب وصال يا ناس يونس هيتجوز وصال يا ناس وافقي إنت بس . تبسمت وصال بخفة رغم إرهاقها، ضحكة واهنة خرجت من بين شفتين شاحبتين، وقالت وهي تهز رأسها باستسلام: -إنت مجنون رسمي يا يونس. اقترب منها بخطوات هادئة، وضع الباقة على الطاولة المجاورة للسرير، ثم جلس على الكرسي قريبًا منها وقال بنبرة أقل مزاحًا وأكثر صدقًا: -مجنون بيكي آه، إنما رسمي؟ دي شهادة أعتز بيها. نظرت إليه مطولًا، كانت عيناها تحملان خليطًا غريبًا من الامتنان والخوف والارتباك، كأنها تريد أن تقول أشياء كثيرة ولا تجد الكلمات المناسبة. ساد صمت قصير قطعه صوت أجهزة المراقبة، وصوت أنفاسها المنتظمة بصعوبة. قالت أخيرًا: -يونس إنت دكتور، وأنا حالة ومش أي حالة أنا كنت مريضة كانسر. ابتسم ابتسامة دافئة، تلك التي اعتادت أن تطمئن لها دون أن تشعر: -وأنا قبل ما أكون دكتور، وبني آدم قلبه اختارك، مش الحالة اللي كنت يعالجها. أدارت وجهها للنافذة، كأنها تحاول الهروب من نظرته: -بس الناس هتتكلم هترتبط بواحدة كان عندها كانسر إزاي؟! وكمان وارد يرجع ليا. تنهد، ثم قال بثبات: -الناس بتتكلم في كل الأحوال. لو عملت الصح، ولو عملت الغلط. الفرق الوحيد إنك لما تعملي الصح، ما تندميش، أما إن الكانسر يرجع ليكِ أو لأ ده شيء في علم الغيب. عاد الصمت من جديد، لكنه كان صمتًا مريحًا هذه المرة. مدت وصال يدها ببطء نحو الباقة، لامست إحدى الورود، ثم قالت بصوت منخفض: -أنا تعبانة يا يونس تعبانة أوي مش عارفة أعمل إيه تعبت من التفكير. هتف بحنان: -عارف وعشان كده أنا هنا مش همشي وأسيبك حتى لو طلبتي مني ده إنت خلاص خفيتي من الكانسر. نظرت إليه بعينين دامعتين: -قدر رجع ليا تاني؟! ابتلع ريقه، لكنه لم يتراجع: -حتى لو أنا مش مربوط بيكي وبمرضك أنا مربوط بيكي بقلبي وحبي ليكي سواء إنتِ مريضة أو لأ. انهمرت دمعة هاربة على خدها، حاولت مسحها سريعًا لكنها لم تنجح، فسبقها هو ومسحها بإبهامه برفق: -ما تعيطيش تعبتيني معاكي. ابتسمت وسط دموعها: -إنت غريب. ضحك بخفة: -ما كنتيش قلتيلي مجنون من شوية؟ طرقات خفيفة على الباب قطعت اللحظة، دخلت الممرضة بابتسامة مهنية: -دكتور يونس، معاد الدواء. أومأ لها: -حاضر. وقفت الممرضة تجهز الحقنة، بينما تراجع يونس خطوة للخلف، لكنه لم يترك يد وصال إلا بعد أن ضغط عليها مطمئنًا. بعد أن انتهت الممرضة وخرجت، عادت الغرفة إلى هدوئها. قالت وصال فجأة: -يونس؟ يونس: -نعم. وصال: -إنت عمرك خفت؟ فكر قليلًا ثم قال: -أكتر مما تتخيلي. بس تعلمت حاجة إن الخوف ما يمنعش الخطوة، الخوف بس بيأكد إن الخطوة مهمة. تنهدت وقالت: -أنا خايفة من بكرة. اقترب منها مرة أخرى: -بكرة هييجي سواء خفنا أو لا بس وجودنا مع بعض يفرق. صمتت ثم قالت وكأنها اتخذت قرارًا: -طيب خلينا نمشي واحدة واحدة. ابتسم بانتصار هادئ: -أنا عمري ما استعجلت حاجة حلوة. مر الوقت، والشمس بدأت تتسلل من بين ستائر الغرفة، تلقي ضوءًا ذهبيًا خفيفًا على وجه وصال شعرت بشيء لم تشعر به منذ زمن أمان. نظر إليها بتركيز: -لما تخرجي من هنا، هبدأ معاكِ حياة جديدة. مش دكتور ومريضة لأ زوج وزوجة حبيب وحبيبة يونس ووصال. ابتسمت، ابتسامة صغيرة لكنها صادقة: -ربنا يقدم اللي فيه الخير. رد دون تردد: بإذن الله. قاطعهم طرق على باب الغرفة يتبعه دخول وجدان ومازن. اقتربت وجدان من شقيقتها وهي تبدل نظراتها بين يونس ووصال وكذلك مازن الذي أشتعل وجهه بغضب. تحدثت وجدان ببرود: -حمد الله على سلامتك. ردت وصال باختصار: -اللي يسلمك. تحدث مازن بحنان: -حمد الله على السلامة يا وصال. أجابته باقتضاب: -الله يسلمك. نظر مازن تجاه يونس بغيظ وتسأل: -حضرتك مين وبتعمل إيه هنا؟ ردت وصال بلهفة: -الدكتور بتاعي. تطلع مازن إلى باقة الورود بسخرية وقال: -بجد ؟! ويا ترى بقى يا دكتور بتمر على المرضى بتوعك كل يوم وتجيب ليهم ورد أحمر؟! رد الآخر ببرود: -لأ طبعا بس وصال غير. اشتعلت الغيرة بقلب الآخر وتسأل بحدة: -مش فاهم يعني إيه وصال غير؟! أجابه ببساطة: -يعني غير هي دلوقتي في مقام خطيبتي ولما تقوم بالسلامة هنتجوز. شهقت وجدان بصدمة وتسألت بعدم استيعاب: -نعم؟! التفتت الى شقيقتها وتسألت: -هو الكلام اللي بيقوله ده صح؟! حركت رأسها بإيجاب وقالت: -أيوه صح. صاح مازن بانفعال: -نعم صح إزاي يعني إنتِ اتخطبتي وهتتجوزي كمان وإزاي أنا معرفش؟! رد يونس باستفزاز: -وإنتَ تعرف ليه إن شاء الله ؟! هيفرق معاها رأي حضرتك في حاجة والدتها وأخوها موافقين إنتَ إيه مشكلتك ؟! رد الآخر بعفوية: -مشكلتي إن الهانم تبقى خطيبتي. انفجر يونس ضاحكًا وعقب ساخرًا: -بجد؟؟ خطيبها إزاي؟! اللي أعرفه إنك زوج أختها حاليًا إيه متجوز واحدة وخاطب أختك؟! ده لا شرع ولا دين يسمح بكده ؟! إيه بتدعو حضرتك لدين جديد؟! أجابه بحدة: -لأ ناوي أطلق وجدان واتجوز وصال أنا بحبها هي. بهت وجه وصال، بينما صدمت وجدان من تصريحه الوقح، أما يونس فما كان رده على الآخر سوى لكمة قوية جعلته يتراجع عدة خطوات. وقف يونس في مواجهته وهتف بفحيح: -أخرس يا خسيس يا واطي يا عديم النخوة والرجولة واسم وصال لو جه على لسانك مرة واحدة هدبحك وأشرب من دمك سامع؟! واتفضل يا أطلع بره ولو شوفتك في مكان أنا فيه تاني وقتها متلومش غير نفسك. نظر له بحقد والتفت إلى وجدان بحدة وقال: -يلا عشان نروح . وكأن بحديثه هذا قد أيقظها من صدمتها، وصاحت بانفعال: -نروح؟! إنتَ فاكر إني هفضل على زمتك يوم واحد يا حقير طلقني. تبسم باستفزاز وقال: -براحتك بس لو طلقتك دلوقتي يبقى وقتها متلوميش غير نفسك متخيلة الناس هتقول عنك إيه وإحنا مكلمناش حتى ست شهور زواج؟! "روحي مع جوزك" جملة نطقتها والدتها التي كانت تقف خارج الغرفة وتستمع للحديث الدائر منذ البداية. بهت وجه وجدان وتسألت بصدمة: -إنتِ بتقولي إيه يا ماما؟! مطلقش إزاي إنتِ مسمعتيش قال إيه عايز يطلقني عشان يرجع لوصال. تبسمت والدتها ببرود وقالت: -وقبل كده ساب وصال قبل الفرح واتجوزك وإنتِ وافقتي مستنية منه إيه طلاق مفيش ده كان اختيارك يا بنتي وإنتِ اللي هتتحملي نتيجة خطأ مع زوجك يلا يا هانم. ابتسم مازن بانتصار وتحرك تجاه الخارج وهي تتبعه مطأطأة الرأس فهي من أوصلت نفسها لهذا…. بعد مغادرتهم هتفت وصال بحزن: -ليه يا ماما كنتِ قاسية عليها كده؟! تنهدت الأخرى بأسى وقالت: -غصب عني بس هي اللي وصلت نفسها لكده أنا هطلقها منه لما هي تتعلم الدرس وتفوق لنفسها. التفتت إلى يونس وهتفت باعتذار: -حقك عليا يا ابني على اللي حصل ده. أجابها بلهفة: -مفيش أي حاجة يا أمي تستاهل هو إنسان حقير وأنا وقفته عند حده. توجه بنظراته تجاه وصال وقال: -على فكرة أنا طلبت إيدك من والدتك وأخوكي فعلاً يعني مكنتش بقول أي كلام وخلاص. اتسعت عيناها بصدمة وقالت: -وليه محدش قالي؟! أجاب ببساطة: -عشان هترفضي بسبب خوفك الغير منطقي والغير مبرر واعملي حسابك فرحنا كمان شهرين بمزاجك أو غصب عنك صح يا ماما؟! تبسمت والدتها وقالت: -بإذن الله يا حبيبي ….. بعد مرور شهرين في حفل زفاف أسطوري، كان يونس يجلس بالكوشة، يراقب الحشود من حوله بابتسامة هادئة، وكأن الزمن توقف للحظة ليستمتع باللحظة التي طالما حلم بها. إلى جواره، جلست وصال، متألقة في فستان زفافها الأبيض الذي كان يلمع بخيوط دقيقة من الترتر، يعكس أضواء القاعة الباهية. كانت تبتسم بسعادة صافية، والفرحة في عينيها كانت أقوى من أي زخرفة أو لمعة ذهبية. القاعة كانت مزينة بألوان دافئة، تتراوح بين الذهبي والفضي، مع لمسات من الوردي الفاتح في الزهور المنتشرة على الطاولات وعلى الكوشة نفسها. شُعِلت مصابيح صغيرة على طول السقف، كأنها نجوم صغيرة سقطت لتزين هذه اللحظة الخاصة. وعندما اقتربت موسيقى العزف الحي، بدأت الألحان تتسلل إلى القلوب، تنسج شعورًا بالدفء والاحتفال. كان هناك شيء مميز في الجو، شيء أكثر من مجرد موسيقى وزينة. الضيوف كانوا يضحكون ويتبادلون الأحاديث، يلتقطون الصور ويتذكرون ذكرياتهم مع العروسين. لم يكن مجرد زفاف عادي، بل كان مناسبة جمعت العائلة والأصدقاء في لوحة واحدة من الحب والفرح والبهجة. بعض الأطفال كانوا يركضون حول الطاولات حاملين بالونات ملونة، بينما كان بعض كبار السن يراقبون الابتسامات على وجوه الشباب ويستعيدون ذكرياتهم الخاصة. وصلت وصال إلى ذروة السعادة عندما بدأ يونس يأخذ يدها بلطف ليقودها إلى وسط القاعة للرقصة الأولى. كانت أنظار الجميع تتجه نحوها، وكأن الوقت توقف للحظة لرؤية الثنائي يتمايل على أنغام الموسيقى. كانت لحظة رومانسية مليئة بالحب والحنان، تجعل أي شخص يشهدها يشعر بالدفء الداخلي وكأن قلبه يرقص معهم. ثم بدأت فقرات الحفل تتوالى، فقفزت الطيور البيضاء الصغيرة في الهواء، وكان لها دور رمزي في نشر السلام والفرح. عروض الفرق الموسيقية كانت مذهلة، والدي جي أضاف لمسة عصرية من الإيقاعات الحديثة التي جعلت الجميع يخرجون عن مقاعدهم ويرقصون بحرية. بعض الأقارب اقتربوا من الكوشة لتهنئة العروسين، يحملون الهدايا والورود والابتسامات الصادقة، وكأنهم يضعون قطعة من سعادتهم على قلب هذا اليوم. وعلى الجانب الآخر من القاعة، كانت الطاولات مزينة بأطباق فاخرة من المأكولات العالمية والمحلية، من المقبلات الصغيرة إلى الحلويات الفاخرة. كان هناك كعك الزفاف المكون من عدة طبقات، مزين بالورد الطبيعي والفواكه الطازجة، وكل قطعة منه كانت تبدو وكأنها لوحة فنية صالحة للأكل. الضيوف كانوا يستمتعون بالمذاقات المختلفة ويشعرون بأن كل لقمة تحمل الحب والاهتمام الذي أعده العروسان بعناية. الأضواء تلاعبت بخيوط فستان وصال الأبيض، كل حركة لها كانت تجعل الفستان يلمع كأنه مليء بالنجوم. بينما يونس، بأناقته المعتادة، كان يبادله الابتسامات والحب الصامت، حديث العيون الذي لا يحتاج إلى كلمات. كانت كل لحظة بينهما وكأنها وعد مستمر بالسعادة، وكأن هذا اليوم لم يكن مجرد بداية زواج، بل بداية قصة كاملة من الحب والمغامرة المشتركة. وفي لحظة مفاجئة، صعدت وصال على منصة صغيرة لتلقي كلمة شكر قصيرة، أعطتها فرصة للتحدث من قلبها إلى جميع الحاضرين. تحدثت عن شكرها لعائلتها وأصدقائها، وعن مدى حبها ليونس، وعن الفرح الذي شعرت به وهي ترى كل هذه الوجوه المحبة حولها. كانت كلماتها بسيطة، لكنها حملت قوة المشاعر الحقيقية، وأثرت في الجميع بطريقة لم تكن متوقعة. يونس، وهو ينظر إليها، شعر بمزيج من الفخر والسعادة، وكأن قلبه لم يعد يحتمل فرحته. ثم جاء دور الألعاب النارية، التي أضاءت سماء الليل فوق القاعة، محوّلة كل شيء إلى عرض ساحر من الألوان. الأزرق والأحمر والذهبي تداخلت لتشكل لوحات متحركة في السماء، ورغم كل الضوء والضوضاء، كان لحظة صامتة داخل قلب يونس ووصال، لحظة عرفا فيها أن هذه هي البداية الحقيقية لحياتهما معًا. الأطفال صرخوا فرحًا، والكبار صفقوا، والجميع شعر كما لو أن السماء نفسها تحتفل بالحب الذي جمع العروسين. وعلى إحدى الطاولات الجانبية جلست وجدان تطالع شقيقتها بحزن وحسرة على حالها ليتها لم تفعل بها هذا، ولم تتزوج هذا الحقير مازن الذي لم تجني منها هو و عائلته سوى الذل والإنكسار، فقد سافر وتركها هنا ذليلة في خدمة والدته وأشقائه، وما زاد الأمر سويًا هو حملها إلى طفلاً صغيرًا في رحمها فبات طلاقها منه من الصعب حدوثه الآن، ليت الزمن يعود بها ما كانت تغدر بشقيقتها موحد كان حالها سيكون أفضل حالاً من هذا..…. وعلى نفس الطاولة تجلس والدتها في مقابلتها تنظر تارة تجاه ابنتها العروس وساعدتها وتارة آخرى تجاه إبنتها البائسة التي جنتها هي بمحض إرادتها… قبل أن ينتهي الحفل، جلس يونس ووصال لحظة في الزاوية الهادئة، بعيدًا عن ضجيج القاعة، متبادلين الكلمات الرقيقة والضحكات الصغيرة. كانت لحظة هدوء وسط العاصفة من الاحتفال، لحظة يمكن أن تُخلد في الذاكرة للأبد. نظرت وصال إلى يونس وقالت بابتسامة: -أنا حاسة أني بحلم. تبسم بحب وقال: -توء إنتِ مش بتحلمي يا حبيبتي إحنا اتجوزنا فعلاً. هتفت بامتنان: -على قد ما أنا كنت زعلانة على إبتلائى ومرضي بالكانسر إلا أني بشكر ربنا إن جالي كانسر لأن لو مكنش جالي مكنتش هعرف حقيقة مازن ومكنتش هعرفك إنت من الأساس. تبسم بحب وقال: -أحيانًا إبتلاء ربنا بيكون رحمة لينا بس إحنا إللي بنعترض على قضاء ربنا رغم إنه بيكون رحمة لينا خلينا ننسى اللي فات ونفكر في اللي جاي حياة جديدة فيها إنتِ وأنا ويجمعنا الحب إللي ما بينا… وفي النهاية، ومع انقضاء الساعات، بدأ الضيوف في الرحيل واحدًا تلو الآخر، حاملين معهم ذكريات هذا اليوم الأسطوري. كانت القاعة ما زالت تتلألأ، والفراشات الورقية على الأرض، والزهور التي لم تذبل بعد، كل شيء كان يروي قصة حبٍ صادقٍ وتفاصيل فرحٍ لا تُنسى. يونس ووصال جلسا في هدوء، ينظران حولهما، ويشعران بالامتنان لكل لحظة، لكل ابتسامة، ولكل دمعة فرح، مستعدين للبدء في فصل جديد من حياتهما، مليء بالحب والضحك والمغامرة. تمت بحمد الله