روايه ظلمات لا تنسى

ابتسم ابتسامة دافئة، تلك التي اعتادت أن تطمئن لها دون أن تشعر:

-وأنا قبل ما أكون دكتور، وبني آدم قلبه اختارك، مش الحالة اللي كنت يعالجها.

أدارت وجهها للنافذة، كأنها تحاول الهروب من نظرته:

-بس الناس هتتكلم هترتبط بواحدة كان عندها كانسر إزاي؟! وكمان وارد يرجع ليا.

تنهد، ثم قال بثبات:

-الناس بتتكلم في كل الأحوال. لو عملت الصح، ولو عملت الغلط. الفرق الوحيد إنك لما تعملي الصح، ما تندميش، أما إن الكانسر يرجع ليكِ أو لأ ده شيء في علم الغيب.

عاد الصمت من جديد، لكنه كان صمتًا مريحًا هذه المرة. مدت وصال يدها ببطء نحو الباقة، لامست إحدى الورود، ثم قالت بصوت منخفض:

-أنا تعبانة يا يونس تعبانة أوي مش عارفة أعمل إيه تعبت من التفكير.

هتف بحنان:

-عارف وعشان كده أنا هنا مش همشي وأسيبك حتى لو طلبتي مني ده إنت خلاص خفيتي من الكانسر.

نظرت إليه بعينين دامعتين:

-قدر رجع ليا تاني؟!

ابتلع ريقه، لكنه لم يتراجع:

-حتى لو أنا مش مربوط بيكي وبمرضك أنا مربوط بيكي بقلبي وحبي ليكي سواء إنتِ مريضة أو لأ.

انهمرت دمعة هاربة على خدها، حاولت مسحها سريعًا لكنها لم تنجح، فسبقها هو ومسحها بإبهامه برفق:

-ما تعيطيش تعبتيني معاكي.

ابتسمت وسط دموعها:

-إنت غريب.

ضحك بخفة:

-ما كنتيش قلتيلي مجنون من شوية؟

طرقات خفيفة على الباب قطعت اللحظة، دخلت الممرضة بابتسامة مهنية:

-دكتور يونس، معاد الدواء.

أومأ لها:

-حاضر.

وقفت الممرضة تجهز الحقنة، بينما تراجع يونس خطوة للخلف، لكنه لم يترك يد وصال إلا بعد أن ضغط عليها مطمئنًا. بعد أن انتهت الممرضة وخرجت، عادت الغرفة إلى هدوئها.

قالت وصال فجأة:

-يونس؟

يونس:

-نعم.

وصال:

-إنت عمرك خفت؟

فكر قليلًا ثم قال:

-أكتر مما تتخيلي. بس تعلمت حاجة إن الخوف ما يمنعش الخطوة، الخوف بس بيأكد إن الخطوة مهمة.

تنهدت وقالت:

-أنا خايفة من بكرة.

اقترب منها مرة أخرى:

-بكرة هييجي سواء خفنا أو لا بس وجودنا مع بعض يفرق.

صمتت ثم قالت وكأنها اتخذت قرارًا:

-طيب خلينا نمشي واحدة واحدة.

ابتسم بانتصار هادئ:

-أنا عمري ما استعجلت حاجة حلوة.

مر الوقت، والشمس بدأت تتسلل من بين ستائر الغرفة، تلقي ضوءًا ذهبيًا خفيفًا على وجه وصال شعرت بشيء لم تشعر به منذ زمن أمان.

نظر إليها بتركيز:

-لما تخرجي من هنا، هبدأ معاكِ حياة جديدة. مش دكتور ومريضة لأ زوج وزوجة حبيب وحبيبة يونس ووصال.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *